2119


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


قال محمد بن قيس : وجهني عامل المدينة إلى يزيد بن عبد الملك وهو إذ ذاك خليفة ، فلما خرجت عن المدينة إذ أنا بامرأة جالسة على الطريق وشاب نائم وهو يتلوى ورأسه يسقط في حجرها ، وكلما سقط أعادته مكانه ، فسلمت فردت السلام ، والشاب مشغول بنفسه ، فسألتها عنه ، فقالت : يا عبد الله ، هل لك في الأجر والمثوبة ؟ فقلت لا أبغي سواهما قالت : هذا ولدي ، وكانت له ابنة عم تربيا معاً ، شغفت به وشغف بها ، وعلم بذلك أبوها ، وعلم بهما أهل المدينة فحجبها عنه ، وكان يأتي الموضع والخيام فيبكي ، ثم خطبها من أبيها ، فأبى أن يزوجه ، لأنه يرى ذلك عيباً أن تزوج امرأة من رجل يحبها !! ثم يخطبها رجل غيره فزوجها أبوها منه منذ خمسة أيام ، وهو على ما ترى لا يأكل ولا يشرب ولا يعقل ، فلو نزلت إليه وتحدثت معه ، ووعظته وسليته فلعله يسكن إلى حديثك ويتقوت بشيء من الطعام ! قال : فنزلت ودنوت منه ، وتلطفت به فرجع إليَّ طرفه وقال بصوت حزين :

ألا ما للمليحة لا تعود = أبخل بالمليحة أم صدود
مرضت لعادني أهلي جميعاً = فما لك لا نرى فيمن يعود
فقدتك بينهم فبكيت شوقاً = وفقد الألف يا سلمى شديد
وما استبطأت غيرك فأعلميه = وحولي من ذوي رحمي عديد
فلو كنت المريضة كنت أسعى = إليك ولم ينهنهني الوعيد

ثم سكن فنظرت المرأة إلى وجهه وصرخت وقالت : والله فاضت نفسه ! قالتها والله ثلاث مرات فغشيني من ذلك هم وغم ، ولما رأت العجوز ما حلَّ بي من الحزن قالت : يا ولدي هون عليك ، والله لقد استراح من تباريحه وغصصه ، فهل لك في استكمال الأجر ؟ قلت : قولي ما أحببت ، قالت : هذا الحي منك قريب فإن رأيت أن تمضي إليهم فتنعيه لهم ، وتسألهم الحضور ليعينوني على مواراته فافعل ، فركبت وأتيت الحي ونعيته لهم وأخبرتهم بصورة أمره ، فبقيت أدور في الحي وإذا أنا بامرأة قد خرجت من خبائها تبحر خماره نشارة شعرها فقالت : أيها الناعي من تنعي ؟ فقلت : فلان قالت : بالله عليك مات ! قلت : نعم ، قالت : هل سمعت منه شيئاً قبل موته ؟ قلت : نعم وأنشدتها الشعر فاستمرت باكية وأنشأت تقول :

عاداني أن أزورك يا حبيبي = معاشر كلهم واش حسود
أشاعوا ما علمت من الرزايا = وعابونا وما فيهم رشيد
فإما إذ ثويت اليوم لحداً = فدور الناس كلهم لحود
فلا طابت لي الدنيا حياة = ولا سحت على الأرض رعود

ثم خرجت مع القوم وهي تولول حتى أتينا إلى الغلام فغسلناه وصلينا عليه ودفناه ثم تفرقنا عن قبره وجعلت تصرخ وتلطم ، ثم ركبت ومضيت وهي على تلك الحال ، فأتيت يزيد وناولته الكتاب فسألني عن أمور الناس وما رأيت في طريقي فأخبرته الخبر ، فقال يا محمد امض الساعة قبل أن تشتغل في غير هذا حتى تمر بأهل الفتى وبني عمه وتمضي بهم إلى عامل المدينة فتأمره أن يثبتهم في شرف العطاء ، وإن كان من أصاب الجارية ما أصابه فافعل بأهلها كما فعلت بأهله وارجع حتى تخبرني بالخبر وتأخذ جواب الكتاب ، قال : فخرجت حتى انتهيت إلى قبر الغلام فوجدت بجانبه قبراً آخر فسألت عنه فقالوا هذا قبر الجارية ، لم تزل تصرخ وتلطم حتى فاضت نفسها ودفنت بجانبه ، فدفعت أهلهما ومضيت بهم إلى عامل المدينة فأثبتهم في شرف العطاء وعدت فأخبرته فأجازني على ذلك جائزة حسنة .


.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.