2133


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


كان معبد (المغني) قد علم جارية من جواري الحجاز الغناء تدعى ظبية وعني بتخريجها ، فاشتراها رجل من أهل الأحواز ، فأعجب بها ، وذهبت به كل مذهب ، وغلبت عليه ثم ماتت بعد أن أقامت عنده برهة من الزمان ، وأخذ جواريه أكثر غنائها عنها ، فكان لمحبته إياها وأسفه عليها لا يزال يسأل عن أخبار معبد وعن مستقرة ويظهر التعصب له ، والميل إليه ، وتقديم غنائه على سائر أغاني أهل عصره ، إلى أن عرف ذلك منه ، وبلغ معبداً خبره ، فأراد أن يأتيه ، فخرج معبد من مكة حتى أتى البصرة فلما وردها ، صادف الرجل وقد خرج منها اليوم إلى الأحواز ، فاكتري سفينة ، وجاء معبد يتلمس سفينة ينحدر فيها إلى الأحواز فلم يجد غير سفينة الرجل وليس يعرف أحد منهما صاحبه ، فأمر الرجل الملاح أن يجلسه معه في مؤخرة السفينة ففعل ، ثم انحدروا ، فلما صاروا في نهر الأبلة تغدوا وشربوا وأمر الرجل جواريه فغنت ، ومعبد ساكت وهو في ثياب السفر وعليه فروة وخفان غليظان وزي غريب من زي أهل الحجاز إلى أن غنت احدى الجواري :

بانت سعاد وأمسى حبلها انصرما = واحتلت القور فالأجراع من إضما

وكان الغناء لمعبد فلم تجد الجارية غناءه ، فصاح بها معبد ، يا جارية إن غناءك هذا ليس بمستقيم ، فقال له مولاها وقد غضب : وإنت ما يدريك بالغناء ؟ فالأفضل لك أن تمسك عن الكلام وتلزم شأنك فأمسك معبد عن الكلام ثم غنت أصواتاً من غناء غيره ومعبد ساكت لا يتكلم ثم غنت :

يا بنة الأزدي قلبي كئيب = مستهام عندها ما ينيب

والغناء لمعبد فأخلت ببعضه فقال لها معبد : يا جارية لقد أخللت بهذا الصوت إخلالاً شديداً . فغضب الرجل وقال لمعبد : ويلك ما أنت والغناء ؟ ألا تكف عن هذا الفضول ؟ فسكت معبد وغنى الجواري مليا ثم غنت إحداهن :

خليلي عوجا منكما ساعة معي = على الربع تقضي حاجة ونودع

والغناء لمعبد فلم تصنع فيه شيئاً ، فقال لها معبد : يا هذه أما تقولين على أداء صوت واحد ؟ فغضب الرجل وقال لمعبد : ما أراك تدع هذا الفضول بوجه ولا حيلة ، وأقسم بالله لئن عاودت لأخرجنك من السفينة ، فسكت معبد حتى إذا سكتت الجواري عن الغناء اندفع معبد يغني الصوت الأول حتى فرغ منه فصاحت الجواري أحسنت والله يا رجل فأعده ، فقال معبد : لا والله ولا كرامة ثم اندفع يغني الصوت الثاني فقلن لسيدهن : ويحك ! هذا والله أحسن الناس غناء ، فسله أن يعيده علينا ولو مرة واحدة لعلنا نأخذه عنه فإنه إن فاتنا لم نجد مثله أبداً . فقال سيدهن قد سمعتن سوء رده عليكن ، وأنا خائف من أن يرد عليَّ مثل رده عليكم ، وقد أسلفنا الإساءة إليه فانصرفن حتى نداريه ، ثم غنى الصوت الثالث فزلزل عليهم الأرض فوثب الرجل ، فخرج إليه وقبل راسه وقال : يا سيدي أخطأنا معك ، ولم نعرف موضعك ولا قدرك ، فقال معبد : فهبك لا تعرف موضعي ، قد كان ينبغي لك أن تتثبت ولا تبادر إليَّ بسوء العشرة ، وجفاء القول ، قال الرجل لمعبد : لقد أخطأت وأنا أعتذر إليك مما جرى وأسألك أن تنزل إليَّ وتختلط بي ، فقال معبد : أما الآن فلا ، فلم يزل يرفق به حتى نزل إليه ، فقال الرجل لمعبد : ممن أخذت هذا الغناء ؟ قال معبد : من بعض أهل الحجاز ، فمن أين أخذه جواريك ؟ فقال الرجل : أخذنه من جارية كانت لي ابتاعها رجل من أهل البصرة من مكة وكانت قد أخذت من أبي عباد معبد ، وعُني بتخريجها فكانت تحل مني محل الروح من الجسد ، ثم استأثر الله عز وجل وبقي هؤلاء الجواري ، وهن من تعليمها فأنا الآن أتعصب لمعبد وأفضله على المغنين جميعاً وأفضل صنعته على كل صنعة (غناء) فقال معبد : أو أنك لأنت هو ! أفتعرفني ؟ قال الرجل لمعبد : لا فصكَّ معبد صلعته بيده ثم قال : أنا والله معبد ، وإليك قدمت من الحجاز ووافيت البصرة ساعة نزلت السفينة لأقصدك بالأحواز ، والله لاقصرت في جواريك هؤلاء ولأجعلن لك في كل واحدة منهن خلفاً من الماضية ، فأركب الرجل الجواري على يديه ورجليه ويقبلونها ويقولون كتمتنا نفسك طول هذا الوقت حتى جفوناك في المخاطبة وأسأنا عشرتك ، وأنت سيدنا ومن نتمنى على الله أن نلقاه ، ثم غير الرجل زيه وحاله وخلع عليه عدة خلع وأعطاه في وقته ثلاثمائة ديناراً وطيباً وهدايا بمثلها وانحدر معه إلى الأحواز ، وأقام عنده حتى حذق جواريه وما أخدنه عنده ، ثم ودعه وانصرف للحجاز .


.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.