2136


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


حكي عن الرشيد (هارون الرشيد) أنه قال للفضل بن الربيع : من بالباب من الندماء ؟ قال : جماعة فيهم هاشم بن سليمان مولى بني أمية ، وأمير المؤمنين يشتهي سماعه ، فإذن له وحده فدخل فقال : هات يا هاشم ، فغناه من شعر جميل بثينة :

إذا ما تراجعنا الذي كان بيننا = جرى الدمع من عيني بثينة بالكحل
خليلي فيما عشتما هل رأيتما = قتيلاً بكى من حب قاتله مثلي

فطرب الرشيد طرباً شديداً وقال : أحسنت ، لله أبوك ثم قلده عقداً نفيساً ، فلما رآه هاشم ترقرقت عيناه بالدموع ، قال له الرشيد : ما يبكيك يا هاشم ؟ فقال : يا أمير المؤمنين إن لهذا العقد حديثاً إن أذن لي الأمير حدثته عنه قال : لك ذلك ، قال : يا أمير المؤمنين ، قدومت يوماً على الوليد (بن عبد الملك) وهو على بحيرة طبريا ومعه قينتان لم ير مثلهما جمالاً وحسناً ، فلما وقعت عينه عليَّ قال : هذا أعرابي قد ظهر من البوادي ، أدعه لنسخر منه ، فدعاني ، فسرت إليه ولم يعرفني ، فغنت احدى الجاريتين بصوت هو لي فأخطأته الجارية فقلت لها : أخطأت يا جارية فضحك ثم قال : يا أمير المؤمنين : لم تسمع ما يقول هذا الأعرابي ؟ يعيب علينا غنائنا ، فنظر إليَّ كالمفكر ، فقلت : يا أمير المؤمنين أنا أبين لك الخطأ ، فالتصلح وتر كذا ووتر كذا ففعلت وغنت شيئاً ما سمع منها إلا في هذا اليوم فقامت الجارية مكبة عليَّ وقالت : أستاذي هاشم ورب الكعبة ، فقال الوليد : أهاشم بن سليمان أنت ؟ قلت : نعم يا أمير المؤمنين وكشفت عن وجهي وأقمت معه بقية يومنا فأمر لي بثلاثين ألف درهم ، فقالت الجارية أتأذن لي في بر أستاذي ؟ فقال الوليد : ذلك لك ، فحلت يا أمير المؤمنين هذا العقد من عنقها ووضعته في عنقي وقالت : هو لك ، ثم قربوا إليه السفينة ليرجع إلى موضعه فركب في السفينة وطلعت معه إحدى الجاريتين وتبعتها صاحبتي فأرادت أن ترفع رجلها وتطلع في السفينة فسقطت في الماء فغرقت لوقتها ، وطلبت فلم يقدر عليها فاشتد جزع الوليد عليها وبكى بكاءً شديد وبكيت أنا عليها أيضاً ، فقال لي : يا هاشم ما نرجع عليك بما وهبنا لك ولكن نحب أن يكون هذا العقد عندنا نذكرها به ، فبعني إياه فعوضني عنه ثلاثين ألف درهم ، فلما وهبتني العقد يا أمير المؤمنين تذكرت قضيته ، وهذا سبب بكائي . فقال الرشيد : لا تعجب فإن الله كما ورثنا مكانهم ورثنا أموالهم .


.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.