2137


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


قال اسماعيل بن يونس : خرج محمد بن عائشة من عند الوليد بن يزيد وقد غناه :

أبعدك معقلاً أرجو وحصنا = قد أعيتني المعاقل والحصون

فأطر به وأمر له بثلاثين ألف درهم وبمثل كارة القصار (كمية) كسوة فبينما ابن عائشة يسير إذ نظر إليه رجل من أهل وادي القرن كان يشتهي الغناء فدنا من غلامه وقال : من هذا الراكب ؟ قال : ابن عائشة المغني ، فدنا منه وقال : جعلت فداك أنت ابن عائشة أم المؤمنين ؟ قال : لا أنا مولى لقريش وعائشة اسم أمي وحسبك هذا ، فلا عليك أن تكثر ، قال : وما هذا الذي اراه بين يديك من المال والكسوة ؟ قال : غنيت أمير المؤمنين صوتاً فأطربته ، فكفر وترك الصلاة وأمر لي بهذا المال ، قال : جعلت فداك فهل تمن عليَّ بأن تسمعني ما أسمعته إياه ؟ قال له : ويلك ، مثلي يكلم بمثل هذا في الطريق ! قال : فما أصنع ؟ قال : الحقني بالباب (أي في بيتي) وحرك بن عائشة بغلة شقراء كانت تحته لينقطع عنه ، فعدا معه حتى وافيا الباب كفرسي رهان ، ودخل ابن عائشة فمكث طويلاً طمعاً في أن يضجر فينصرف فلم يفعل فلما أعياه قال لغلامه : دخله فما دخل قال له : ويلك ! من أين صبك الله عليَّ ! قال : أنا رجل من أهل وادي القرى أشتهي هذا الغناء قال : هل لك فيما هو أنفع منه لك ؟ قال : وما ذاك ؟ قال مئتي دينار وعشرة أثواب تنصرف بها إلى أهلك ، فقال له : جعلت فداك ، والله إن لي لبنية ما في أذنها علم الله حلقة من الورق فضلاً عن الذهب وإن لي زوجة ما عليها يشهد الله قميص ، ولو أعطيتني جميع ما أمر لك به أمير المؤمنين على هذه الخلة والفقر (الخلة الحاجة) الذين عرفتكها واضعفت لي ذلك لكان الصوت أعجب إليَّ ، وكان ابن عائشة تائهاً لا يغني إلا للخليفة أو الذي على قدر جليل من إخوانه فتعجب ابن عائشة منه ورحمه ودعا بالدواة وكان يغني مرتجلاً فغناه الصوت فطرب له طرباً شديداً وجعل يحرك رأسه حتى ظن أن عنقه سينقصف ، ثم خرج من عنده ولم يرزأه شيئاً وبلغ الخبر الوليد بن يزيد فسأل ابن عائشة عنه ، فجعل يغيب عن الحديث ثم جد الوليد به فصدقه عنه وأمر بطلب الرجل حتى أحضر ووصله صلة سنية وجعله من ندمائه ووكله بالشقي فلم يزل معه حتى مات .


.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.