2145


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


قال اسحاق بن يحيى بن طلحة : قدم جرير الخطفي المدينة ونحن يومئذ شباب نطلب الشعر فاحتشد ناله ومعنا أشعب فبينما نحن عنده إذ قام لحاجته ، وأقمنا لم نبرح وجاء الأحوص بن محمد الشاعر من قباء على حمار فقال : اين هذا ؟ (يقصد جرير) قلنا قام لحاجته فما حاجتك إليه ؟ فقال : اريد والله أن أعلمه أن الفرزدق أشعر منه وأشرف قلنا : يحك! لا تعرض له وانصرف فانصرف وخرج وجاء جرير فلم يكن بأسرع م أن أقبل الأحوص فأقبل عليه ، فقال : السلام عليك يا جرير ، قال جرير : وعليك السلام فقال الأحوص : يا ابن الخطفي الفرزدق أشرف منك وأشعر قال جرير : من هذا أخزاه الله؟ قلنا : الأحوص بن محمد بن عاصم بن ثابت قال : نعم هذا الخبيث الطيب أأنت القائل :

يقر بعيني ما يقر بعينها = وأحسن شيء ما به العين قرت

قال : نعم ؟ قال جرير فإنه يقر بعينها أن يدخل فيها مثل ذرع البكر أفيقر بعينك ! وكان الأحوص يرمى بالحلاق (صفة تنافي الرجولة) فانصرف فبعث إليهم بتمر وفاكهة وأقبلنا على جرير نسائله وأشعب عند الباب في مؤخرة البيت فالح عليه أشعب يسأل فقال : والله إني لأراك أقبحهم وجهاً وأراك ألأمهم حسباً فقد أبرمتني (أضجرتني) منذ اليوم ، فقال : إني أملِّح شعرك وأجيد مقاطعة ومبادئة قال : ويحك ! فاندفع أشعب فنادى بلحن ابن سريح :

يا أخت ناجية السلام عليكم = قبل الرحيل وقبل عذل العذل
لو كنت أعلم أن آخر عهدكم = يوم الرحيل فعلت ما لم يفعل

فطرب جرير وجعل يزحف نحوه حتى لصق بركبته وقال : لعمري لقد صدقت إنك لأنفعهم لي حسنته وأجدته وزينته أحسنت والله ثم وصله وكساه فلما رأينا إعجاب جرير بذلك الصوت قال بعض أهل المجلس : فكيف لو سمعت واضع هذا الغناء ؟ فقال أو إن له لواضعاً غير هذا ؟ فقلنا : نعم قال : فأين هو قلنا بمكة فقال : لست بمفارق حجازكم حتى أبلغه فمضى ومضى معه جماعة ممن يرغب في طلب الشعر في صحابته وكنت فيهم فأتيناه جميعاً فإذا هو في فتية من قريش كنهم المها مع ظرف كثير فأدنوا ورحبوا وسألوه عن الحاجة فأخبرناهم الخبر فرحبوا بجرير وأدنوه وسروا بمكانه وأعظم عبيد بن سريج موضوع جرير وقال سل ما تريد جعلت فداك ! قال : أريد أن تغنيني لحناً سمعته بالمدينة أزعجني إليك قال : وما هو ؟ قال :

يا أخت ناجية السلام عليكم = قبل الرحيل وقبل عذل العذل

فغناه ابن سريج وبيده قضيب يوقع به وينكت فو الله ما سمعنا شيئاً قط أحسن من ذلك فقال جرير : لله دركم يا أهل مكة ماذا أعطيتم ! والله لو أن نازعاً نزع إليكم ليقيم بين أظهركم فيسمه هذا صباح مساء لكان أعظم الناس حظاً ونصيباً كيف ومع هذا بيت الله الحرام ، ووجوهكم الحسان ورقة ألسنتكم وحسن شارتكم وكثرة فوائدكم .


.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.