2152


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


عضد الدين ألب أرسلان التركي ( 455 – 465 هـ 1063 – 1072 م ) ولي الحكم بعد وفاة عمه طغرلبك وأحيا الروح الحربية الإسلامية ، وحمل لواء الجهاد ضد الروم والشيعة على السواء .
يروي ابن الأثير في حوادث سنة 463 هـ ( 1970 م ) أن السلطان ألب أرسلان رأة أن يبدأ بالاستيلاء على حلب وشمال الشام كي يحمي ظهره من الخطر الفاطمي قبل التوغل في أرض الروم شمالاً . وعلم أمير حلب محمود بن صالح بن مرداس بهذه الحركة مقدماً وكان يدين بالمذهب الشيعي ، فجمع أهل حلب وقال لهم : هذه دولة جديدة ، ومملكة شديدة ، ونحن تحت الخوف منهم ، وهم يستحلون دمائكم لأجل مذاهبكم . والرأي أن نقيم الخطبة قبل أن يأتينا وقت لا ينفعنا فيه قول ولا بذل فأجاب المشايخ إلى ذلك ولبسوا السواد ، وخطبوا للقائم بأمر الله والسلطان . فأخذت العامة حصر الجامع وقالوا : هذه حصر علي بن أبي طالب ، فليأت ابو بكر بحصر يصلي عليها الناس !!!
وأرسل الخليفة القائم إلى محمود بن مرداس الخلع مع نثيب النقباء طراد بن محمد الزينبي فلبسها ومدحه الشعراء .
وبعد قليل وصل السلطان ألب أرسلان إلى حلب ، وكان مندوب الخلافة لا يزال بها ، فطلب منه الأمير محمود أن يخرج إلى السلطان ليعفيه من الحضور عنده والمثول بين يديه ، فخرج نقيب النقباء وأخبر السلطان بأن الأمير محمود قد لبس الخلع القائمية وخطب فقال السلطان : أي شيء تساوي خطبتهم وهم يؤذنون : حي على خير العمل ؟ (الأذان عند الشيعة) ولا بد له من الحضور ودوس بساطي . فامتنع محمود من ذلك . فاشتد الحصار على البلد ، وغلت الأسعار ، وعظم القتال . فلما عظم الأمر على محمود ، خرج ليلاً ومعه والدته منيعة بنت وثاب النميري ، فدخلا على السلطان وقالت له : هذا ولدي ، فافعل به ما تحب . فتلقاهما بالجميل ، وخلع علي محمود ، وأعاده إلى بلاده ، فأنفذ إلى السلطان مالاً جزيلاً.
لم يكتف ألب أرسلان بالاستيلاء على حلب ، بل أرسل في نفس هذه السنة أميراً يدعى أتسز بن أوق الخوارزمي إلى جنوب الشام أي إلى فلسطين وكانت تحت حكم الفاطميين ، ففتح مدينة الرملة ، وبيت المقدس وما جاورها من بلاد ما عدا عسقلان مفتاح الطرق المؤدية إلى مصر ، ثم قصد مدينة دمشق وحاصرها وخرب أعمالها وقطع الميزة عنها ولكنه لم يستطع دخولها .
وهكذا يتضح من تحركات جيوش ألب أرسلان في بلاد الشام أنها كانت تهدف إلى ضرب القوى الشيعية في تلك البلاد قبل التوجه شمالاً إلى آسيا الصغرى لجهاد البيزنطيين .
كان الامبراطور البيزنطي رومانوس ديوجينيس قد خرج في ذلك الوقت لمهاجمة الديار الإسلامية في نحو مائتي ألف مقاتل من الروم والروس والفرنج والأرمن وغيرهم من طوائف تلك البلاد في تحميل كثير وزي عظيم . ثم تقدم في زحفه شرقاً حتى بلغ بلدة ملاذكرد من أعمال خيلاط على الفرات الأعلى شمالي بحيرة فإن عند أرمينيا . ويبدو أنه كان يريد اختراق ثغور المسلمين من ناحية الجزيرة والتوغل في الأراضي الإيرانية وفطن ألب أرسلان لخطة العدو وكان في ذلك الوقت قد بلغ أذربيجان في خمسة عشر ألف فارس فقط . فتقدم من فوره لوقف زحف العدو . ويقال إنه انزعج عندما شاهد ضخامة جيش العدو لدرجة أنه أرسل إلى الامبراطور رومانوس يطلب المهادنة ، وكان هدفه من ذلك كسب الوقت ريثما تصله الامدادات ولكن الامبراطور أصر على الحرب ومواصلة الزحف وقال : لا هدنة إلا بالري !
عندئذ قرر السلطان مواجهة العدو واختار بأن يكون اللقاء في يوم الجمعة وفي الساعة التي يكون فيها الخطباء على المنابر يدعون للمجاهدين بالنصر . فلما كانت تلك الساعة علا بجنوده وقال لهم : من أراد الانصراف فلينصرف ، فما ها هنا سلطان يأمر وينهي أنني أقاتل محتسباً صابراً فإن سلمت فنعمة من الله وإن كانت الشهادة فإن ابني ملكشاه ولي عهدي، ثم ألفى القوس والنشاب وأخذ السيف والدبوس وعقد ذنب فرسه بيده وفعل عسكره مثله ، ولبس البياض وتحنط ، وقال : إن قتلت فهذا كفني ثم زحف نحو الروم فلما قاربهم ترجل وعفر وجهه على التراب وأكثر الدعاء ثم ركب واندفع نحو العدو وحملت العساكر معه حملة رجل واحد ، فقتل المسلمون في الروم كيف شاؤوا ، وأنزل الله نصره عليهم ، فانهزم الروم وقتل منهم ما لا يحصى حتى امتلأت الأرض بجثث القتلى ، وأسر ملك الروم رومانوس ، أسره مجاهد مسلم اراد قتله ولم يعرفه فقال له خادم مع الملك : لا تقتله فإنه الملك . وسيق الملك إلى السلطان ألب أرسلان . فضربه ثلاث مقارع بيده وقال له : ألم أرسل إليك في الهدنة فأبيت ؟ فقال : دعني من التوبيخ ، وافعل ما تريد . فقال السلطان : ما عزمت أن تفعل بي إن أسرتني ؟ فقال : أفعل القبيح . قال له : فما تظن أنني أفعل بك ؟ قال : إما أن تقتلني ، وإما أن تشهر بي في بلاد الإسلام ، والأخرى بعيدة ، وهي العفو وقبول الأموال ، واصطناعي نائباً عنك . قال : ما عزمت على غير هذا وافتدى الامبراطور نفسه بألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار ، (1500.000) وتعهد ن يرسل إلى ألب أرسلان عساكر الروم في أي وقت طلبها ، وأن يطلق كل أسير في بلاد الروم وأن تعقد الهدنة لمدة خمسين سنة ، وقد أكرم ألب أرسلان الامبراطور بعد عقد الصلح ، فأرسل إليه عشرة آلاف دينار يتجهز بها وأطلق له جماعة من البطارقة . ويقال إن الامبراطور سأل قبل رحيله : أين جهة الخليفة ؟ فدل عليها فقام وكشف عن رأسه إلى الأرض بالخدمة ثم شيعه السلطان فرسخا وأرسل معه عسكراً وأوصلوه إلى مأمنه .
تعتبر موقعة ملاذكرد أو منزكرد سنة 463هــ (1071م) من المواقع الحاسمة في التاريخ إذ نتج عنها نتائج سياسية وحربية خطيرة في تاريخ هذه المنطقة أهمها :
1- مهدت الطريق أمام جيوش المسلمين للتوغل في بلاد آسيا الصغرى واقتطاع هذه الأقاليم الآسيوية من ممتلكات الدولة البيزنطية لأول مرة . فقد وجه إليها ألب أرسلان ابن عمه سليمان قتلمش الذي استوطنها برجاله وأقام هناك دولة سلاجقة الروم نسبة إلى بلاد الروم التي قامت فيها . وستكون هذه الدولة هي أطول الدويلات السلجوقية عمراً ، إذ ستظل قائمة إلى أن يقضي عليها الأتراك العثمانيون في أواخر القرن 14م .
2- كانت هذه الوقعة من أهم الأسباب التي أدت إلى قيام الحروب الصليبية سنة 1096م ذلك لأن أخبار هزيمة الروم وعدم تمكنهم من حشد جيش آخر لرد الخطر التركي ، أثار مخاوف الدول الأوروبية ، صحيح أن العلاقات بين روما والقسطنطينية كانت عدائية بسبب ما قام بين الكنيسة البيزنطية والكنيسة الرومانية من خلاف مذهبي انتهى بانفصال الكنيسة الشرقية في القسطنطينية عن الكنيسة الغربية في روما سنة 1054م أي قبل موقعة ملاذكرد بنحو ثمانية عشر عاماً إلا أنه على الرغم من ذلك كان الغرب اللاتيني ينظر إلى الدولة البيزنطية على أنها الحصن الأمامي الذي يحمي المسيحية من الإسلام في الشرق ومن ثم يجب على الغرب المسيحي أن يمد لها يد المساعدة .


.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.