2154


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


روى العباس بن الأحنف قال : خرجت إلى منزلي ، فلما وصلت إلى المسودة محيطة بي فمضى بي إلى دار أمير المؤمنين فصرت إلى يحيى بن خالد (البرمكي) فقال لي : ويحك يا عباس إنما اخترتك من ظرفاء الشعراء لقرب مأخذك ، وحسن تأنيك ، وإن الذي ندبتك له من شأنك ، وقد عرفت خطرات الخلفاء وإني أخبرك أن (ماردة) هي الغالية على أمير المؤمنين وأنه جرى بينهما عتب فهي بدالة المعشوق تأبى أن تعتذر ، وهو بعز الخلافة وشرف الملك يأبى ذلك ، وقد رمت الأمر من قبلهما فأعياني وهو أحرى ن تستعزه الصبابة فقل شعراً يسهل عليه هذا السبيل ، فقضى كلامه ثم دعاه أمير المؤمنين فصار إليه ، وأعطيت قرطاساً ودواة فاعتراني الزمع (الدهش والخوف) وأذهب عني ما أريد الاستحثات فتعذرت على كل عروض ونفرت عني كل قافية ، ثم انفتح لي شيء والرسل تنعتني فجاءتني أربعة أبيات رضيتها وقعت صحيحة المعنى سهلة الألفاظ ملائمة لما طلب مني ، فقلت لأحد الرسل : أبلغ الوزير أني قلت أربعة أبيات فإن كان فيها مقنع ، وفي ذهاب الرسول ورجوعه قلت بيتين من غير ذلك الروي ، فكتبت الأبيات الأربعة في صدر الورقة وعقبت البيتين فقلت :

العاشقان كلاهما متغضب = وكلاهما متوجد متعتب
صدت مغاضبة وصد مغاضباً = وكلاهما مما يعالج متعب
راجع أحبتك الذين هجرتهم = إن المتيم قلما يتجنب
إن التجنب إن تطاول منكما = دب السلو فعز منه المطلب

ثم كتب تحت ذلك :

لا بد للعاشق من وقفة = تكون بين الهجر والصرم
حتى إذا الهجر تمادى به = راجع من يهوى على الرغم

ثم وجهت الكتاب إلى يحيي ، فدفعه إلى الرشيد ، فقال : والله ما رأيت شعراً اشبه بما نحن فيه من هذا فكأني قصدت به ن فقال يحيى : فأنت والله المقصود به يا أمير المؤمنين ، فلما قرأ البيتين وأفضى إلى قوله : راجع من يهوى على الرغم ، استغرق ضاحكاً ثم قال : إي والله : راجع على الرغم وما ردة هذه هي أم المأمون كما ذكرت أحد المصادر .


.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.