2179


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


ماء الوجه ، العرب تستعير من كلامها الماء لكل ما يحسن موقعه ومنظره ويعظم قدره ومحله ، فتقول : ماء الوجه وماء الشباب ، وماء السيف ، وماء الحياة ، وماء النعيم ، كما تستعير الاستقاء في طلب خبر قال علقمة بن عبدة :

وفي كل حي قد خطبت بنعمة = فحق لشأس من نداك ذنوب

وقال رؤية بن العجاج :

أيها الماتح دولي دونكا = إني رأيت الناس يحمدونكا

وهما لم يسقيا ماء ، وإنما طلب أحدهما ماء ، وكان الآخر أسيراً ، وكذلك سموا السائل والمجتدي مميحاً ، وإنما الميح جمع الماء وإخراجه بالدلو ، وغاية دعائهم للمرجو والمشكور أن يقولوا : سقاك الله ، فإذا تذكروا أياماً طابت لهم قالوا : سقى الله تلك الأيام ! وربما دعوا لديار المحبوب بالسقيا كما قال طرفة :

فسقى ديارك غير مفسدها = صوب الربيع وديمة تهمى

فأما قولهم ماء الوجه ، فهو عبارة عن الحياء الذي هو أفضل الماء ، وقد أحسن أبو تمام في قوله لأبي سعيد الطائي :

رددت رونق وجهي في صحيفته = رد الصقال بماء الصارم الخذم
وما أبالي وخير القول أصدقه = حقنت لي ماء وجهي أم حقنت دمي

وقال أبو الطيب :

ولقد بكيت على الشباب ولمَّتي = مسودة ولما وجهي رونق

ولا مزيد على قول ابن المعتز :

لم ترد ماء وجهه العين  إلا =  شرقت قبل ريها برقيب

ولأبي تمام استعارات في الماء أحسن وصفها كقوله في وصف نساء ثكالي :

خاضن محاسنها مخاوف غادرت = ماء الصبا والحسن غير زلال

وقوله في الأفشين :

قد كان بوأه الخليفة منزلاً = من  قلبه حرماً على الأقدار
فسقاه ماء الخفض غير مصرد = وأنامه في الأمن غير غرار

وقوله :

ألا أيها الموت فجعتنا = بماء الحياة وماء الحياء


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.