2180


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


حبس مروان بن الحكم وهو وال على المدينة غلاماً من بني ليث في جناية جناها ، فأتته جدة الغلام لأبيه أم سنان بنت خثيمة بن خرشة المذحجية فكلمته في الغلام ، فأغلظ مروان عليها ، فخرجت إلى معاوية ، فدخلت عليه فانتسبت فعرفها فقال لها : مرحباً يا ابنة خثيمة ، ما أقدمك أرضنا ؟ وقد عهدتك تشتميننا ، وتحضين علينا عدونا ، فقالت : إن لبني أمية أخلاقاً طاهرة ، وإحلاماً وافرة ، لا يجهلون بعد علم ، ولا يسفهون بعد حلم ، ولا ينقمون بعد عفو ، وإن أولى الناس بإتباع ماسنَّ آباؤه لأنت ، قال : صدقت نحن كذلك ، فكيف قولك :

عزب الرقاد فمقلتي لا ترقد = والليل يصدر بالهموم ويورد
يا آل مذحج لا مقام فشمروا = إن العدو لآل أحمد يقصد
هذا على كالهلال تحفه =  وسط السماء من الكواكب أسعد
خير الخلائق وابن عم محمد =  إن يهدكم بالنور منه تهتدوا
مازال مذ شهد الحروب مظفراً = والنصر فوق لوائه ما يفقد

قالت : كان ذلك يا أمير المؤمنين ، وأرجو أن تكون لنا خلفاً بعده ، فقال رجل من جلسائه ، كيف يا أمير المؤمنين وهي القائلة :

إما هلكت أبا الحسين فلم تزل = بالحق تعرف هادياً مهديا
فاذهب عليك صلاة ربك ما دعت = فوق الغصون حمامة قمرياً
قد كنت بعد محمد خلفاً كما =  أوصى إليك بنا فكنت وفياً
فاليوم لا خلف يؤمل بعده = هيهات نأمل بعده إنسياً

قالت يا أمير المؤمنين ، لسنا نطق وقول صدق ، ولئن تحقق فيك ما ظننا فحظك الأوفر ، والله ما ورثك الشنآن في قلوب المسلمين إلا هؤلاء ، فادحض مقالتهم ، وأبعد منزلتهم  فإنك إن فعلت ذلك تزدد من الله قرباً ، ومن المؤمنين حباً ، قال : وإنك لتقولين ذلك ؟ قالت : سبحان الله ! والله ما مثلك مدح بباطل ، ولا اعتذر إليك بكذل ، وإنك لتعلم ذلك من رأينا ، وضمير قلوبنا ، كان والله علي أحب إلينا منك ، وأنت أحب إلينا من غيرك ، قال: ممن ؟ قالت : من مروان بن الحكم وسعيد بن العاصي ، قال : وبم استحققت ذلك عندك ؟ قالت : بسعة حلمك ، وكريم عفوك ، قال : فإنهما يطعمان في ذلك ، قالت : هما والله من الرأي على ما كنت عليه لعثمان بن عفان رحمه الله (تريد أنهما يأملان الخلافة بعدك كما كنت تأملها بعد عثمان) ، قال : والله لقد قاربت ، فما حاجتك ؟ قالت : يا أمير المؤمنين إن مروان تبنك (توسع وتثبت) بالمدينة تبنك من لا يريد البراح منها ، لا يحكم بعدل ، ولا يقضي بسنة يتتيع عثرات المسلمين ، ويكشف عورات المؤمنين ، حبس ابن ابني فقال كيت وكيت ، فألقمته أخشن من الحجر ، وألقمته أمر من الصاب ، ثم رجعت إلى نفسي باللائمة وقلت : لم لا أصرف ذلك إلى من هو أولى بالعفو منه ، فأتيك يا أمير المؤمنين لتكون في أمري ناظراً ، وعليه (معنياً) قال : صدقت ، لا اسألك عن ذنبه ، ولا عن القيام بحجته ، اكتبوا لها إصلاقه ، قالت : يا أمير المؤمنين وأني بالرجعة وقد نفد زادي وكلت راحلتي ، فأمر لها براحلة موطأة (مريحة) وخمسة آلاف درهم .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.