2181


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


عروة بن جزام العذري وصاحبته عفراء حيث مات وجداً عليها وذكره جرير بقوله :

هل أنت شافية قلباً يهيم بكم = لم يلق عروة من عفراء ما وجدا
ما في فؤادي من داء يخامره = إلا التي لو رآها راهب سجداً
إن الشفاء وإن ضنت بنائله = فرع البشام الذي تجلوا به البردا

وعفراء هي بنت هصر أخي جزام كلاهما أبناء مالك من بطن العذريين يقال له نهد ، وسبب عشقه لها أن أباه حزاماً توفي ولعروة من العمر أربع سنين ، وكفله هصر أبو عفراء فنشأ جميعاً ، فكان يألفها وتألفه ، فلما بلغ الحلم سأل عروة عمه أن يزوجها إياه ، فوعده ذلك ثم أخرجه إلى الشام بعير (قافلة) له وجاء ابن أخ له يقال له إثالة بن سعيد بن مالك فنزل بعمه هصر ، فبينما هو جالس يوماً تجاه البيت إذ خرجت عفراء حاسرة عن وجهها ومعصميها تحمل أداء سمن وعليها إزار خز أخضر ، فلما رآها وقعت من قلبه بمكانة عظيمة فخطبها إلى عمه فزوجه بها ، وإن عروة أقبل مع العير وقد حمل أثالة عفراء على جمل أحمر فعرفها من البعد ، وأخبر أصحابه ولما التقيا وعرف الأمر بهت لا يحير جواباً حتى افترق القوم فأنشد :

وإني لتعروني لذكراك رعدة = لها بين جلدي والعظام دبيب
فما هو إلا أن رآها فجأة = فأبهت حتى ما يكاد يجيب
فقلت لعراف اليمامة داوني = فإنك إن أبرأتني لطبيب
فما بي من حمى ولا مس جنة = ولكن عمي الحميري كذوب
عشية لا عفراء منك بعيدة =  فتسلوا ولا عفراء منك قريب
بنا من جوى الأحزان والبعد لوعة = تكاد لها نفس الشفيق تذوب
ولكنما أبغي حشاشة مقول = على ما به عود هناك صليب
وما عجبي موت المحبين في الهوى =  ولكن بقاء العاشقين عجيب

وعاني قاسي المعاناة من حبها حتى مات وجداً عليها في صراع طويل فلما مات قالت عفراء لزوجها : قد تعلم ما بيني وبينك وبيني وبين الرجل من رحم وما عنده من الوجد وإن ذلك على الحسن الجميل فهل تأذن لي أن أخرج إلى قبره فأندبه ، فقد بلغني أنه قضى ، قال : ذلك إليك ، فخرجت حتى أتت قبره فتمرغت عليه وبكت طويلاً (حسبنا الله على أبيها المجرم) وأنشدت :

ألا أيها الركب المحثون ويحكم =  بحق نعيتم عروة بن حزام
فإن كان حقاً ما تقولون فاعلموا =  بأن قد نعيتم بدر كل ظلام
فلا لقي الفتيان بعد بعدك راحة = ولا رجعوا من غيبة بسلام
ولا وضعت أنثى تماماً بمثله = ولا فرحت من بعده بغلام
ولا لا بلغتم حيث وجهتم به =  ونغصتم لذت كل طعام


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.