2183


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


دخل رجل عذري على معاوية بن أبي سفيان فلما أخذ كلى مجلسه قان فأنشد :

معاوي ياذا الحلم والفضل والعقل = وذا البر الإحسان والجود والفضل
أتيتك لما ضاق في الأرض مسلكي = وأنكرت مما قد صيب به عقلي
ففرج كلاك الله عني فإنني = لقيت الذي لم يلقه أحد قبلي
وخذلي هداك الله حقي من الذي = رماني بسهم كان أهونه قتلي
وكنت أرجى عدله إذ أتيته فأكثر تردادي مع الحبس والكبل
فطلقتها من جهد ما قد أصابني = فهذا أمير المؤمنين من العدل ؟!

فاستدناه وقال له : ما شأنك ؟ قال : تزوجت ابنة عمي وكانت من المبرزات في الجمال والحياء ، فأنفقت عليها إلى أن أملقت ، فرفع أبوها إلى ابن أم الحكم (والي المدينة) فضيق علي السجن والقيود حتى طلقت كارهاً فأعطى أباها عشرة آلاف درهم وتزوج بها ، فأتيتك مستغيثاً بعد ذلك ، فكتب معاوية إليه يغلظ عليه ويأمره بالتخلي عنها وبقول في آخر كتابه :

ركبت ذنباً عظيماً لست أعرفه =  فاستغفر الله من جور امرئ زاني
قد كنت تشبه صوفي له كتب = عن الفرائض أو آيات قرآن
حتى أتاني الفتى العذري منتحبا = يشكو إليَّ بحق غير بهتان
أعطي الإله عهوداً لا أخيس بها = أولا فبرئت من ديني وغيماني
إن أنت راجعتني فيما كتبت به = لأجعلنك لحماً بين عقبان
طلق سعاد وفارقها بمجتمع = واشهد على ذلك نصر وابن ظبيان
فما سمعت كما بلغت من عجب = ولا فعالك حقاً فعل إنسان

فلما وقف عليه ، قال : وددت لو خُلي بيني وبينها سنة ، ثم عرضني على السيف ، ثم طلقها فأخرجها ، فلما وصلت إلى معاوية وقد تعجب الناس من حسنها ، وقالوا : هذه لا تصلح لأعرابي ، إنما تكون لأمير المؤمنين فعجب بها ثم إذا استنطقها فإذا هي فتنة فقال له معاوية : هل لك عوض عنها ، قال : نعم إذا بان رأسي عن بدني ثم أنشد :

لا تجعلني والأمثال تضرب بي = كالمستجير من الرمضاء بالنار
أردد سعاد على حران مكتئب = يمسي ويصبح في هم وتذكار
قد شفه قلق ما مثله قلق = وأشعر القلب منه أي إشعار
والله والله لا أنسى محبتها = حتى أغيب في رمس وأحجار
كيف السُلوُّ وقد هام الفؤاد بها =  وأصبح القلب عنها غير صبار

فغضب معاوية من ذلك فخيرها بينه وبين ابن أم الحكم وبين ابن عمها فأنشدت :

هذا وإن أصبح في أطمار =   وكان في نقص من اليسار
أكبر عندي من أبي وجاري =  وصاحب الدرهم والدينار
أخشى إذا عذرت حر النار = خل سبيلي ما به من عار
لعلنا نرجع للديار = وأن عسى نظفر بالأوطار

فقال معاوية : خذها لا بارك الله لك فيها وأمر أن تقيم إلى تمام العدة فلما انقضت دفعها إليه مع ناقة وعشرة آلاف دينار .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.