2189


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


كان خنافر بن التوءم الحميري كاهناً وقد أوتي بسطة في الجسم وسعة في المال وكان عاتياً فلما وفدت وفود اليمن على النبي صلى الله عليه وسلم وظهر الإسلام أغار على إبل لمراد فاكتسحها وخرج بأهله وماله ولحق بالشحر (جهة حضرموت) فحالف جودان بن يحي القرضمي (بطن من مهرة بن جيدان) وكان سيداً منيعاً ونزل بواد من أودية الشحر مخصباً كثير الشجر من الأيك والعرين قال خنافر : وكان رئيي في الجاهلية (الرئي صاحب الكاهن من الجن) لا يكاد يتغيب عني فلما شاع الإسلام فقدته مدة طويلة وساءني ذلك ، فبنما أنا ليلة بذلك الوادي نائماً إذ هوي هوي العقاب (أي سقط عليه)  فقال : خنافر ، قلت شعصبار (اسمه) فقال : اسمع فقال : عه تغنم , لكل مدة نهاية , وكل ذي أمر إلى غاية , قلت : أجل , قال : كل دولة إلى اجل , ثم يتاح لها حول , انتسخت النحل , ورجعت إلى حقائقها الملك , إنك سجير موصول , والنصح لك مبذول و وإني آنست بأرض الشام (يعني جهة الشام من الشحر ويعني بها مكة ) نظراً من آل العذام حكام على الحكام , يذيرون ذا رونق من الكلام , ليس بالشعر المؤلف ولا السجع المتكلف , فأصغيت فزجرت , فعاودت فظلفت , فقلن بم يتهينمون  , وإلام تعتزون ؟ قالوا خطاب كبار , جاء من عند الملك الجبار , فاسمع يا شعصبار عن أصدق الأخبار , واسلك أوضح الاثار , تنج من أوار النار , فقلت وما هذا الكلام ؟ قالوا : فرقان بين الكفر والإيمان , ورسول من مضر , من أهل المدر (المباني) ابتعث فظهر فجاء بقول بهر , وأوضح نهج قد دثر , فيه مواعظ من اعتبر , ومعاذ لمن إزدجر  , آلف بالآي الكبر , قلت : ومن هذا المبعوث من مضر ؟ قال : أحمد خير البشر , فإن آمنت به أعهطيت الشبر , وإن خلفت صليت سقر , فآضت يا خنافر وأقبلت إليك يا أبا در , فجانب كل كافر , وشايع كل مؤمن طاهر , وإلا هو الفراق , لا عن تلاق , قلت : أين ابغي هذا الدين ؟ قال : من ذات الحرتين  والنفر اليمانيين , اهل الماء والطين , قلت : أوضح , قال : إلحق بيثرب ذات النخل والحرة ذات النعل , فهناك اهل الطول والفضل , والمواساة  والبذل , ثم أملس عني فبت مذعوراً أراعي الصباح , فلما برق النور امتطيت راحلتي وآذنت عبدي واحتملت أهلي حتى وردت الجوف (جوف اليمن ) فرددت الإبل على أربابها بحولها وسقابها , وأقبلت أريد صنعاء فأصبت بها معاذ بن جبل أميراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعته على الإسلام وعلمني سوراً من القرآن فمن الله علي بالهدى بعد الضلالة والعلم بعد الجهالة فقلت :

ألم تر أن الله عاد بفضله = فأنقذ من لفح الزخيخ  خنافرا
وكشف لي عن جحتي عمائمها = وأوضح  لي نهجاً وقد كان دائرا
دعاني شصار للتي لو رفعتها = لأصليت جمراً من لظى الهوب واهرا
فأصبحت والإسلام حشو جوانحي =  وجانبت من أمسي عن الحق نائرا
وكان مضلي من هديت لرشده = فلله مغو عاد بالرشد آمرا
نجوت بحمد الله من كل قحمة = تؤرث هلكا يوم شايعت شاصرا
فمن مبلغ فتيان قومي ألوكة = باني من افتال من كان كافرا
عليكم سواء القصد لا فل حدكم = فقد أصبح الإسلام للكفر قاهرا


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.