2197


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


قال ابن دريد : دفعت يوماً في تلمس البادية إلى واد خلاء لا أنيس به إلا بيت مقتر بفنائه أعنز ، وقد ظمئت فيممته فسلمت ، فإذا عجوز قد برزت كأنها نعامة راخم ، فقلت : هل من ماء ؟ فقالت : أو لبن ؟ فقلت : ما كان يغنيني إلا الماء ، فإذا يسر الله اللبن فإني إليه فقير ، فقامت إلى قعب فأفرغت فيه ماء ونظفت غسله ثم جاءت إلى الأعنز فتغبرتهن حتى احتلبت قراب ملء القعب ، ثم أفرغت عليه ماء حتى رغا وطفحت ثمالته كأنها غمامة بيضاء ثم ناولتني إياه ، فشربت حتى تجببت ريا ، واطمأنت ، فقلت : إني أراك معتنزة في هذا الوادي الموحش ، والحلة منك قريب ، فلو انضممت إلى جانبهم فأنست بهم ، فقالت : يا ابن أخي إني لآنس بالوحشة ، وأستريح إلى الوحدة ، ويطمئن قلبي إلى هذا الوادي الموحش ، فأتذكر من عهدت فكأني أخاطب أعيانهم ، وأتراءى أشباحهم وتتخيل لي أندية رجالهم ، وملاعب ولدانهم ، ومندى أموالهم ، والله يا ابن أخي ، لقد رأيت بشع اللديدين بأهل أرواح وقباب ، ونعم كالهضاب ، وخيل كالذئاب وفتيات كالرمح يبارون الرياح ، ويحمون الصياح ، فأحال عليهم الجلاء ، فما بغرفة ، فأصبحت الآثار دراسة ، والمحتل طامسة وكذلك سيرة الدهر فيمن وثق به ، ثم قالت : ارم بعينيك هذا الملأ المتباط ، فنظرت فإذا قبور نحو أربعين أو خمسين ، فقالت : ألا ترى تلك الأجداث ؟ قلت : نعم ! قالت : ما انطوت إلا على أخ أو ابن أخ أو عم أو ابن عم فأصبحوا المأت عليهم الأرض وأنا أترقب ما غالهم .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.