2203


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


كان جرير عند الحجاج بن يوسف في العراق ، وكان آمنه بعدما أخافه أشد الخوف ، فقدم الحجاج البصرة وجرير والفرزدق يتسابان سبع سنين قبل قدومه ، وجرير مقيم بالبصرة وكان قبل ذلك مقيماً بالبادية ، فكتب إليه بنو يربوع : أنت مقيم بالبادية وليس احد يروي عنك ، والفرزدق ملأ عليك العراق ، فانحدر إلى جماعة من الناس فأنشد بالرجل كما يشيد بك فانحدر وأقام بالبصرة فلذلك يقول :

وإذا شهدت لثغر قومي مشهداً = آثرت ذاك على بني ومالي

فأوجهه الحجاج وملأ بمدحع الأرض ، وبلغ أهل الشام وأمير المؤمنين ورواه الناس ، ثم إن الحجاج أوفده مع ابنه محمد عاشر عشرة من أهل العراق بعدما أجازه بعشرة من الرقيق وأموال كثيرة ، قال : فقدمنا على عبد الملك بن مروان ، فخطب بين يديه ، ثم أجلسه على سريره عند رجليه ، ثم دعا بالوفد منا رجلاً رجلاً ، وكلنا له خطبة ثم قال : من هذا يا محمد؟ قال : هذا يا أمير المؤمنين ابن الخطفي ، قال مادح الحجاج ؟ قلت ومادحك يا أمير المؤمنين فأذن لي ان أنشدك ، فقال : هات ما قلت في الحجاج فاندفعت في قولي :

صبرت النفس يا ابن أبي عقيل = محافظة فكيف ترى الثوابا
ولو لم يرض ربك لم ينزل = مع النصر لملائكة الغضابا
إذا سعر الخليفة نار حرب =  رأى الحجاج أثقبها شهاباً

فقال : صدقت ، وورائي الأخطل جالساً لا أراه ، ثم قال هات بالحجاج فأنشدته :

طربت لعهد هيجته المنازل = وكيف تصابي المرء والشيب شامل

فما فرغت منها حتى خيلت في وجه الخليفة الغضب وقال : هات بالحجاج فأنشدته :

هات الهوى لفؤادك المهتاج =  فانظر بتوضح باكر الأحداج

حتى أتيت قولي :

من سدَّ مطَّلع النفاق عليهم = أم من يصول كصولة الحجاج
أم من يغار على النساء حفيظة = إذ لا يثقن بغيرة الأزواج

فتكلم الأخطل وقال : أين أمير المؤمنين يابن المراغة ! فعلمت أنه الأخطل ، قد بيت حيال وجهي بكمي وقلت : اخسأ ، ومضيت حتى أنشدته كلها ، فقال الخليفة اجلس ثم قال : قم يا أخطل هات مدير أمير المؤمنين فقال حيالي ، فأنشد أشعر وأمدح الناس فقال له الخليفة : أنت شاعرنا ومادحنا ، اركبه (أي اركب فوق ظهر جرير) فرمى بردائه وألقى قميصه على منكبه ووضع يده على عنقي ، فقلت يا أمير المؤمنين : إن النصراني الكافر لا يعلو على ظهر المسلم ولا يركبه فقال أهل المجلس : صدق يا أمير المؤمنين .
فقال للأخطل : دعه وانتقض المجلس وخرجنا ، فدخل الوفد عليه ثمانية أيام مع محمد كلهن أحجب فلا أدخل عليه ، ثم دخلوا في التاسع وأخذوا جوائزهم ، وتهيأوا في العاشر للدخول والتوديع للرحيل فقال : لي محمد ، يا أبا حزرة ، مالي لا أراك تتجهز ؟ فقلت : كيف وأمير المؤمنين ساخط ! ما أنا ببارح أو يرضى عني ، فلما دخل عليه محمد ليودعه قال : يا أمير المؤمنين إن ابن الخطفي مادحك وشاعرك ومادح الحجاج سيفك وأمينك ، وقد لزمتنا له صحبة وذمام فإن رأيت أن تأذن له ! فإن أبى أن يخرج معنا وأنت غضبان وآلى أنه لا يخرج أو ترضى عنه ، فيدخل ويودعك فأذن لي فدخلت عليه ودعوت له فقال : إنما أنت للحجاج ، قلت : ولك يا أمير المؤمنين ثم استأذنته في الإنشاد ولم يأذن لي فاندفعت فقلت :
أتصحو أم فؤادك غير صاح
فقال : بل فؤادك .
عشية هم صحبك بالرواح .
حتى فرغت منها وعلمت إني أن خرجت بدون جائزة كان إسقاطي آخر الدهر ، فلما بلغت إلى شكوى أم حزرة قلت في أثر ذلك :

ألستم خير من ركب المطايا = وأندى العالمين بطون راح

فجعل يقول : نحن كذلك ثم قال : ردها عليَّ فرددتها فطرب لذلك وقال : ويحك ! أتراها ترويها مئة من الإبل ؟ قلت : نعم ، نعم إن كانت من نعم كلب (قبيلة كلب) ، وقد كنت رأيت خمسمائة من نعم كلب مخصفة ذراها ثنيانا وجذعاناً فقال : أخرجوا له مئة من النعم التي جاءت من عند كلب (القبيلة) ولا تر ذلوها فشكرت له وشكر له أصحابي ومن شهدني من العرب ثم قلت يا أمير المؤمنين إنما نحن أشباح من أهل العراق وليس في واحد منا فضل عن راحلته قال : أفتجعل لك أثمانها ؟ قلت : لا ، وكن الرعاء يا أمير المؤمنين . فأمر لي بثمانية أعبد أربعة صقالبة وأربعة نوبية وإذا قد أهدى إليه بعض الدهاقين ثلاث صحاف فضة وهن بين يديه يقرعهن بالخيزرانة ، فقلت المحلب يا أمير المؤمنين ؟ فندس (قذف) إلي منهن واحدة فقال : خذها لا نفعتك ! قلت بلى كل ما أخذته منك ينفعني إن شاء الله ، وانصرفنا وودعناه ، وكتب محمد إلى أبيه بالحديث كله ، فلما قدمنا على الحجاج قال لي : أما والله لولا أن يبلغ أمير المؤمنين فيجد علي (يغضب) لأعطيتك مثلها ولكن هذه خمسون راحلة وأحمالها حنطة تأتي بها إلى أهلك فتميرهم فقبضتها وانصرفت .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.