2209


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


قال الأخفش : كنت يوماً بحضرة ثعلب فأسرعت القيام قبل انقضاء المجلس فقال لي : إلى أين ؟ ما أراك تصبر عن مجلس الخلدي (يعني محمد بن يزيد المبرد) فقلت له : لي حاجة ، فقال : إني أراه يقدم البحتري على أبي تمام فإذا أتيته فقل له ما معنى قول أبي تمام :

أآلفة النحيب كم افتراق = أظل فكان داعية اجتماع

قال أبو الحسن فلما صرت إلى أبي العباس المبرد سألته عنه فقال : معنى هذا أن المتحابين والعاشقين قد يتصارمان ويتهاجران إدلالً لا عزماً على القطيعة ، وإذا حان الرحيل وأحسَّا بالفراق تراجعا إلى الود وتلاقيا خوف الفراق وأن يطول العهد بالالتقاء بعده فيكون الفراق حينئذ سبباً للاجتماع كما قال الآخر :

متعاً بالفراق يوم الفراق = مستجيرين بالبكا والعناق
كم أسراً هواهما حذراً لنا = س وكم كتماً غليل اشتياق
فأظل الفراق فالتقيا فيـ =   فراق أتاهما باتفاق
كيفما أدعو على الفراق = وغداة كان التلاقي

قال فلما عدت إلى ثعلب في المجلس الآخر سألني عنه فأعدت عليه الجواب والأبيات ، فقال : ما أشد تمويهه ، ما صنع شيئاً ! إنها معنى البيت أن الإنسان لا يفارقه محبوبه رجاء أن يفنم في سفره ، فيعود إلى محبوبه مستغنياً عن التصرف فيطول اجتماعه معه ألا تراه في البيت الثاني :

وليست فرحة الأوبات إلا =  لموقوف على ترح الدواع

وهذا نظير قول الآخر بل منه أخذ أبو تمام :

واطلب بعد الدار منكم لتقربوا = وتسكب عيناي الدموع لتجمدا

هذا هو ذاك بعينه .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.