2229


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


قال محمد بن الحجاج الأسدي التميمي حججت فلما صرت بمران منصرفاً من الحج وإذا أنا بغلام أشعث الذؤابة قد أورد غنيمات له فاستنشدته فقال : إني مشغول عنك ولكني أرشدك إلى ما تحت النظر لذلك البيت يلقاك فيه حاجتك ، هذا بيت خرقاء ذي الرمة ، ومضيت نحوه فطوحت بالسلام من بعيد ، فقالت أدنه ، فدنوت فقالت : إنك لحضري فمن أنت ؟ قلت : من بني تميم وأنا أحسب أنها لا معرفة لها بالناس ، فقالت : من أي تميم ؟ فأعلمتها فلم تزل تنزل بي فقالت : الحجاج بن عمير بن يزيد ؟ قلت : نعم فقالت: رحم الله أبي المثني ، ثم قالت حياك الله يا بني وقربك ، من أين أقبلت ؟ قلت : من الحج ، فقالت : فمالك لم تمرني وأنا أحد مناسك الحج ، وإن حجك ناقص ، فأقم حتى تحج أو تكفر بعتق ، قلت وكيف ذاك ، قالت : أما سمعت قول غيلا ابن عمك :

تمام الحج أن تقف المطايا = على خرقاء واضعة اللثام

قال : وكانت هي قاعدة بفناء البيت كأنها قائمة من طولها ، بيضاء شهلاء فخمة الوجه ، فسألتها عن سنها فقالت : لا أدري إلا أني كنت أذكر شمر بن ذي الجوشن حين قتل الحسين عليه السلام ولما أنشدتني خرقاء بيت ذي الرمة فينا قلت : هيهات يا عمة قد ذهب ذلك منك ، قالت : لا تقل يا بني أما سمعت قول القحيف العقيلي :

وخرقاء لا تزداد إلا ملاحة = ولو عمرت تعمير نوح وحلت

ثم قالت : رحم الله ذا الرمة ، كان رقيق البشرة ، عذب المنطق ، حسن الوصف ، مقارب الرصف ، عفيف الطرف ثم أنشدتني لنفسها في ذي الرمة :

لقد أصبحت في فرعي معدٍّ = مكان النجم في فلك السماء
إذا ذكرت محاسنة تذرت = بحار الجود من نحو السماء
حصين شاد باسمك غير شك = فأنت غياث محل بالفناء
إذا ضنت سحابة ماء مزن = تثج بحار جودك بارتواء
لقد مطرت باسمك أرض قحط = كما مطرت عدي بالثراء

فقلت : أحسنت يا خرقاء ، فهل سمع ذلك منك ذو الرمة ؟ قالت : إي وربي .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.