2231


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


الموت صفة وجودية خلقت ضد الحياة ، والخوف من الموت والفناء ليس مقصوراً على الإنسان فقط وإنما هو عام لكل المخلوقات ذوات الأرواح الحيوان ، الطير الحشرات ، وحتى أصغر المخلوقات الكبيرة الأليفة كالإبل والبقر والخيل والغنم والجواميس والفيلة وغيرها تخاف من الإنسان والسباع الضارية التي تفترسها وتميتها وتمزق أشلاءها والسباع يخاف بعضها من بعض ويخاف بعضها من الإنسان ، والأسود والفهود والنمور تخاف من بعضها ومن قتل الإنسان لها بل ربما خافت الوحوش الضواري من حيوانات أصغر منها أن تهلكها فقد شاهدت في احدى القنوات الفضائية أسداً شرساً وقد هجم عليه حيوان صغير بحجم النمس أو هو أصغر منه وصر يهجم على الأسد وينهشه بأنيابه من أعلى براثنه وأسفل قوائمه ثم يهرب قليلاً عنه ثم يعيد الهجوم المرة تلو  الأخرى حتى أدمى براثن الأسد ونزفت دماً والأسد لا يستطيع أن يمسك بذلك الحيوان الصغير فما كان منه إلا أن هرب وقوائمه تنزف دماً وهذا الحيوان يطارده في انهزامه ، ورأيت لبؤة تطارد قرداً وقد صعد شجرة فصعدت على جذع الشجرة وارتفعت عليها فما كان من القرد إلا أن قفز من رأس الغصن إلى رأس غصن في شجرة أخرى وهرب منها بدافع الخوف من الموت والهلاك ، والظباء بأنواعها والجواميس البرية التي تطاردها الوحوش من الأسود والفهود والنمور تهرب منها بالقطعان خوفاً من الموت وأحياناً تهاجم تلك السباع التي تضطر أمام الكثرة من الجواميس إلى الانهزام والنجاة من الموت والفناء والقوارض والطيور الصغيرة تهرب من الثعابين والحيات ، التي تلتهمها وتزدردها ، والحيات والثعابين نفسها تخاف من الإنسان أن يقتلها ومن القنافذ أن تأكلها وتهلكها وقد شاهدت بعيني حية يأكلها قنفذ حيث أمسك بذنبها وانكمش وتكور وبدأ يجذبها شيئاً فشيئاً ويقرضها مع ذنبها وهي تتلوى وتلتف حول تكوره الشوكي وتضرب فيه برقبتها فوقفت أشاهدها حتى أتت على الحية بضرف حوالي ساعة فلما قربت من رأسها بعد أن ماتت الحية لفظته القنفذ وأنا أشاهده ، كما تخاف الحية والثعبان من الإنسان وتروغ عنه كما قال عمير بن شييم القطامي :

فردت سلاماً كارهاً ثم أعرضت = كما انحازت الأفعى مخافة ضارب

والذئب من أشرس السباع و:ثرها إقداماً ومع ذلك فهو كثرها خوفاً وفزعاً فهو جريئ عن الهجوم والافتراس وشديد الخوف من الإنسان أو غيره لدرجة أنه إذا نام يغمض إحدى عينيه ويبقي الأخرى مفتحة خشية أن يباغته خطر الموت كما قال حميد بن ثور الهلالي :

ونمن كنوم الذئب عن ذي حفيظة = أكلت طعاماً دونه وهو جائع
ينام بإحدى مقلتيه ويتقي = بأخرى الأعادي فهو يقظان هاجع

والغراب من الطيور المتوسطة أكثرها حذراً وخوفاً ، فهو حذر يتلفت يميناً وشمالاً وفوقاً وتحتاً مخافة أن يغدر به أحد ، وهناك حكاية تقول : إن الغراب كان يوصي ابنه قائلاً : إذا رأيت إنساناً إنحنى إلى الأرض ربما ليلتقط حجراً يرميك به ، فعليك أن تطير وتهرب عنه فقال الابن : إن مجرد اقتراب الإنسان مني ، فسأطير وأهرب عنه إذ ربما أخذ الحجر معه في عبه أو يده قبل أن أراه ، والطيور الصغيرة من أشدها حذراً العصفور فهو كثير التلفت والقفز ، وبمجرد نظر الإنسان إليه فهو يطير ويبتعد خوفاً من أن يصيبه بأذى يؤدي إلى إهلاكه ، الكل يخاف من الموت والفناء وحتى  الحشرات الصغيرة يعتريها الخوف من الموت والهلاك ، فالبعوضة تنزل على جسم الإنسان لتماص من دمه فإذا أحست بأي حركة منه طارت بسرعة هائلة وزاغت من بين يديه والدود يدب على الأرض فإذا أحس بخطر خاف من الموت وتراجع أو توقف أو غير مساره ، وقد شاهدت دوداً يصعد على عود حتى إذا وصل إلى رأس العود وشعر أنه سيسقط عاد وانحرف مع الطريق الذي جاء منه وحتى النمل شاهدته يسير على حافة صخرة مقعرة يمكن أن يسقط منها على الأرض فما كان منه إلا أن عاد أدراجه مع الطريق الذي جاء منه وغير ذلك من المخلوقات التي هي أصغر مما ذكرت ، الكل يخشى الموت والفناء الإنسان والحيوان والطير والحشرات والأسماك والأحياء البحرية وكل ذان روح فسبحان الله الخالق العظيم القائل في كتباه العزيز : { الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيُّكم أحسن عملاً وهو العزيز الغفور } سورة الملك : الآية 2 .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.