2237


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


قال معبد اليقطيني (المغنى) كنت ذات يوم بمنزلي و إذا ببابي يدق , فخرج غلامي , ثم رجع فقال : على الباب فتى ظاهر المروءة يستأذن عليك فأذنت له , فدخل على شاب ما رأيا أحسن وجهاً منه ولا أنظف ثوباً ولا أجمل زياً منه , من رجل دنف عليه آثار السقم ظاهر و فقال لي : أرجو لقاءك منذ مدة قلا أجد إليه سبيلاً وإن لي حاجة , فقلت : ما هي ؟ فأخرج ثلاثمائة دينار (ذهب) فوضعها في يدي ثم قال : أسألك أن تقبلها وتصنع في بيتين قلتهما لحناً تغنيني به , فقلت : هاتهما فأنشدهما وقال :

والله يا طرفي الحاني على بدني =  لتطفئن بدمعي لوعة الحزن
أو لأبوحن حتى يحجبوا سكني =  فلا اراه ولو أدرجت في كفي

فصنعت لهيبا لحناً ثم غنيته إياه , فأغمي عليه حتى ظننته مات , ثم أفاق فقال : أعد فديتك و فناشدته الله في نفسه وقلت : أخشى ان تموت , فقال هيهات ! أنا أشقى من ذلك وما زال يخضع لي حتى أعدته , فصعق صعقة أشد من الاولى و حتى ظننت أن نفسه قد فاضت , فلما افاق أعدت الدنانير غليه ووضعتها بين يديه فقلت : يا هذا لا حاجة لي في الدنانير , فقلت :لا والله ولا بعشرة اضعافها غلا على ثلاث شرائط , قال : وما هن ؟ قلت : اولهما أن تقيم عندي وتتحرم بطعامي , والثانية أن تشرب من النبيذ تشد قلبك وتسكن ما بك , والثالثة أن تحدثني بقصتك , فاخذ الدنانير ودعون بطعام وشراب وغنيته بشعر غيره في معناه و فجعل يبكي أحر البكاء وينشج اشد النشيج وينتحب , فلما رأيت ما به خف قلت حدثني حديثك قال : أنا ر جل من أهل المدينة خرجت متترها في ظاهرها وقد سال العقيق (واد من أودية المدينة) في فتية من أقراني فبصرت منهن بفتاة من يلاحظها , فأطللنا واطللن حتى تفرق الناس , وقد ابقيت بقلبي جرحاً عميقاً بطيئاً اندماله , فعدت لبيتي وأنا وقيذ , ثم جعلت أتتبعها في طرق المدينة واسواقها وسقمت حتى ايس مني أهلي , ودخلت ظئري فاستعلمت حالي  وضمنت لي السعي فيما أحبه فأخبرتها بقصتي فقالت : لا بأس عليك , هذه أيام الربيع وهي سنة خصب وانواء وليس ببعيد عنك المطر فتخرج حيئذ وأخرج معك , فإن النسوة سيخرجن فإذا رأيتها تبعتها حتى أعرف موضعها وأصل بينك وبينها فاطمأنت نفسي وخرجت مع إخواني وإذا نحن بالنسوة كفرسي رهان فأومأت غلى ظهري فجلست حجرة منا (مسافة) ومنهن فأقبلت علي إخواني فقلت لقد أحسن القائل :

رمتني بسهم أقصد القلب وانثنت = وقد غادرت جرحاً به وندوبا

فأقبلت على صويحباتها فقالت : أحسن والله القائل :

بنا مثل ما تشكو فصبراً لعلنا = نرى فرجاً يشقي السقام قريباً

ثم تفر ق الناس وتبعتها ظئري حتى عرفت منزلها فصارت إلي واخذت بيدي ومضينا إليها , فلم تزل تتلطف حتى وصلت غليها فتلاقينا وتداورنا على حال مخالسة ومراقبة وشاع حديثي وحديثها وظهر ما بيني وبينها فحجبها أهلها , وتشدد أبوها , وسألت أبي خطبتها فمضى ابي ومشيخة اهلي فخطبوها , فقال ابوها : لو كان بدأ بهذا قبل أن يفضحها ويشهرها لأسفته بما ألتمس ولكنه فضحها فلم أكن لأحقق قول الناس بتزويجه إياها فانصرفت على يأس منها ومن نفسي .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.