تقديم ومدخل


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


تقديم


بكل موقف يمر بحياة الإنسان.. يتذكر ماضيه.. تاريخه فيجد أن مثل هذا الموقف قد مر بحياة السلف الصالح قبله.. فيتذكر ماذا عمل من سبقه، وكيف تصرف، فيجد من التراث ما يتناسب والحاضر، ويلمس أن الدنيا بها مواقف تتكرر مع تغير الزمان أو المكان أو الأشخاص، إلا أن المواقف متشابهة إلى حدّ كبير.. لذا نجد أن كثيرًا من الحكايات والمواقف قد حفظت وإن طرأ عليها بعض التغيير أو التعديل نظرًا لاختلاف الرواة وإحساسهم بالمسؤولية في نقل الحكاية أو الموقف أو التاريخ.. فمن الرواة من يأخذ من الحكاية ما يتناسب ووضعه. ومنهم من يأخذ منها ما يعني قبيلته ويترك الباقي، ومنهم أيضًا من يذكر الحكاية كما عرفها أو سمعها بدون حذف أو إضافة .
ورغم كل هذا فإن ما يصلنا من هذه الحكايات نلمس به الأصالة : من التصرف العفوي لصاحب الموقف أو بطل الحكاية، ذلك البدوي الأمي الذي لا يعرف الثقافة ولا تهمه القراءة والكتابة قدر ما يهتم بالمرعى الخصب والمرتع المناسب لإبله بعيدًا عن الخوف وغارات الغزاة الذين يفخرون بكسبهم ولإبل فلان بن فلان، بغض النظر عن الطريقة حتى وإن كانت نهبًا بالليل أو بعد معركة راح ضحيتها كثيرون .
إلا أنها أساليب الحياة التي اعتادوا عليها رغم وحشيتها في بعض الأحيان، وقسوتها في أحيان أخرى. أما إذا نظرنا من الزاوية الأخرى فلا نستكثر أن يموت أحدهم دون جاره، أو يذبح أحدهم ولده إكرامًا لجاره كما فعل ابن سويط شيخ الظفير إكرامًا لجاره ابن منديل من بني خالد : القصة المعروفة (1) .
وغيرها كثيرة تلك الحكايات التي تعرفنا عن قرب بصفاء البدوي ونقائه وعفته وإكرامه لضيفه وتعلقه بالسجايا الحميدة والخصال الطيبة. وهذه الصفات إن لم تكن طبعًا فيه وإن لم تكن سلوكًا إراديًّا فإن طبيعة المجتمع البدوي تفرض عليه ذلك فكيف يخون شخص بين مجموعة ترفض الخيانة وتنبذ الخائن؟ وكيف يتردى شخص في البخل بين مجموعة امتازت بإكرام الضيف حتى لو وصلت لدرجة ينحر بها البدوي شاة يحتلبها لأولاده لكيلا يقال إنه لا يكرم ضيفه. مجتمع أقرب للفضيلة. تعلم أبناؤه الخصال الحميدة رغم قسوة الحياة. فجاءت حكاياتهم درجات في سلم الشهامة والرجولة تعلمها البدوي وعلمها وتوارثتها الأجيال على مر السنين.
يبدأ يوم البدوي مع إشراقة الشمس أو قبلها حين يصلي الفجر وينتهي على صلاة العشاء حين يخلد إلى النوم بعد يوم شاق من العمل المتواصل الذي لا يعرف الراحة أبدًا.
بالشتاء يصارع البرد القارص بالمناخ الصحراوي المعروف، وبالصيف يصارع الحر الشديد وشح المياه وقلة الكلأ ورغم كل هذا لا ينسى شيمته وشهامته ونبله أبدًا. حينما يجود بكل ما يملكه ويرزقه الله سبحانه بأفضل منه كقصة حجرف الذويبي من قبيلة حرب حينما أنفق كل ما يملك ولم يجد ما يرحل عليه فقد نحر ناقته كغيرها إكرامًا لضيف فأراد جماعته أن يعلموه أن يمسك ورحلوا وتركوه فهو لا يستطيع الرحيل معهم حيث ليس لديه ما يمتطي. ويضيق به الحال من الغربة والوحدة وقلة ما باليد. فيصعد قمة جبل ليرى آية من آيات الله – عزّ وجل – يرى ذلك الداب “الحنش” الأعمى أمام جحره لا يرى يفتح فمه ويأتي عصفور ويقف على فمه فيلتهمه ويدخل جحره. فيرتاح حجرف الذويبي لأن الذي رزق هذا الداب الأعمى لن ينساه. فيعود لبيته وبالليل يسمع صوت الإبل فيخرج من مخدعه فإذا هي حول البيت لا راعي لها. يمتطيها ويلحق بجماعته ويضرب لنا مثلًا هو الآخر .
والحكايات كثيرة ، والأمثلة الرائعة أكثر. والآن وبعد مرور الزمان وتغير الأحوال بعد أن كان الرجال يضحون بأعمارهم دون الإبل أصبحت الإبل هي التي يضحى بها إكرامًا للرجال. هذه حال الدنيا، يمضي كل شيء وتبقى تلك الحكايات ذكريات لها معانٍ كبيرة وافية تتعلم منها الأجيال.
في هذا – الموقع – حاولت أن أجمع بعضًا من تلك الحكايات المنوعة … ولعلني بذلك أخدم جانبًا من التراث وأساهم بحفظه من الضياع، وأقدمه كهدية لجيلنا الحالي والأجيال القادمة بإذن الله لعلهم يجدون به ما ينفع. وإن لم يكن كذلك فيكفي أن نعرف تاريخ أجدادنا ونفخر ونفاخر به ويحق لنا أن نقول ذلك وبالفم الملآن، نتحدث أننا أبناء أولئك العظماء ولنا الفخر أن ننتمي إليهم…


(1) يستطيع قارئ التراث أن يرى ذلك في قصيدة للحطيئة ، الشاعر المخضرم المشهور يصف فيها بدوياً جواداً ، صاحب صيد ، ألوفاً للفلوات ، عندما نابه ضيف . وليس عنده شيء .. يقول الحطيئة :

رأى شبحاً وسط الظلام ، فراعه = فلمّا بدا ضيفاً ، تسَوَّر واهتمّا
وقال ابْنُه لما رآه بحيرةٍ : = أيا أبت اذبحني ، ويسَّرْ له طعْمَا
ولا تعتذر قليلاً ، علّ الذي طرا = يظن لنا مالاً ، فيوسعنا ذمَا
فروّى قليلاً ، ثم أحجم برهةً = وإن هو لم يذبح فتاه ، فقد همَّا


مدخل


المجتمع البدوي مجتمع قبلي، الولاء فيه للقبيلة أكثر منه للأرض، فبالرغم من أن القبائل تتمسك بأراضيها ومراتع إبلها وقد تحصل حروب وصدامات تستمر لأكثر من سنة بسبب الأرض، ولكن قد تنزح قبيلة كاملة من أراضيها، وقد يكون نزوحها أبديًّا من هذا المكان أو ذاك بسبب الجفاف أو قلة المراعي، وقليلًا ما كان يتخلف أحد عن النزوح مع القبيلة تمسكًا بالأرض؛ لذا قلنا إن ولاء البدوي للقبيلة أولًا وأخيرًا.
والقبيلة بدورها يتزعمها شخص تكون الزعامة في أكثر الأحيان وراثية، يرثها الولد عن أبيه وتنقسم القبيلة إلى أفخاذ، لكل فخذ زعيم زعامته أيضًا وراثية . والفخذ ينقسم إلى عوائل لكل عائلة كبيرها حسب تقدم السن في أغلب الأحيان إن لم تكن تلك العوائل كبيرة فيكون منها زعيم مختار.
وللقبائل عادات وتقاليد يتمسك بها أبناؤها ولا يحيدون عنها؛ لأن تصرف أي فرد بالقبيلة يحسب على القبيلة كلها، وقد يكلفها سمعتها كقبيلة كاملة، فالمسؤولية بين أبناء القبيلة تضامنية؛ لذا تجد أن أكثر القبائل تعمد إلى طرد شخص من القبيلة تفاديًّا من العار. وقد تجد أن أحد أبناء القبيلة من عائلة متواضعة يفعل فعلًا يرفع اسم القبيلة كلها وبالتالي يرتقي بعائلته إلى مستوى شيوخ القبيلة وقد يطغى اسمه على اسم زعيم القبيلة نفسها. وهناك مقولة مشهورة عند البدو تقول: “عسى الطيب من عربنا” فهم لا يحسدون الطيب إذا كان منهم لأن مردود فعله ستمتّع به القبيلة ككل فتجد أبناء القبيلة يفاخرون بأفعال بعضهم أمام القبائل الأخرى. كما أن الخلافات داخل القبيلة تحلها القبيلة فيما بينها أو حتى على مستوى الفخذ. وفي حال احتدام الخلاف يلجؤون إلى عرافة القبيلة ما يسمونه “الطاغوت” – وهو لا يعني الشيطان أبدًا – وهذا العرافة يحل نزاعات القبيلة مستمدًا قوته من قوة شيخ القبيلة زعيمها وكأنما هو القاضي الذي ينطق الحكم باسمه. كما أن أحكام القضاة غير قابلة للنقاش أو المماطلة بتنفيذها فهي قطيعة كالأحكام العرفية لا رجوع فيها. وكانوا في حال الخصومة يجلس الخصمان أمام العرافة ويورد كل منهما حجته وللشخص الحق بتوكيل شخص آخر بالنيابة عنه يدافع ويورد شهوده في حال وجود شهود وفي حال عدمهم يلجأ العرافة عادة لليمين، فشرعهم يقول : ” ما مدعي إلا ببينة ولا منكر إلا بيمين ” .
أما أساليب الحكم عندهم فهي أقرب للشورى، حيث يشكل زعيم القبيلة مجلس شورى بدون تسمية من الثقات من كبار السن في قبيلته يشاورهم في شؤون القبيلة وشجونها، ويستأنس بآرائهم. وله أن يأخذ بها أو يرفضها، وهذا راجع لشخصية أمير القبيلة في أغلب الأحيان .
هذا استعراض سريع لتركيبة القبيلة، أردت أن يكون هو المدخل – للموقع – إلى حقيقة الدافع وراء تصرف أي أمير أو شخص عادي بالقبيلة لأن معرفة تركيبة المجتمع القبلي تساعدنا على فهم طبيعة تصرفاتهم وتصديق الأشياء التي لا تصدق حينما يحدثك بها الراوي، وإلا فمن يصدق أن أبًا يقتل ولده فلذة كبده وبيده إكرامًا لجاره وحفاظًا على حقوق الجيرة؛ ولكن إذا عرفنا طبيعة المجتمع البدوي يسهل علينا فهم هذا التصرف أو ذاك .
ولا يفوتني أن أشير هنا إلى أن للكلمة عند البدوي مكانتها فهي ملكة قبل أن تظهر ولكنّه مملوك لها بعد أن يظهرها حيث لا رجعة عنها إن قال عفوت أو بعت أو اشتريت أو تمت في مجلس كبير أو صغير فقد التزم بكلمته وقد تلزمه القبيلة فيها. فلا نستنكر أن يقول أمير أو شخص في قبيلة لشخص آخر من قبيلة أخرى : أنت في وجهي عن قبيلتي فيلتزم وتلتزم القبيلة كلها بما التزم به ولن يجد من يخالفه، ومن خالفه فهناك روادع تعيده إلى صوابه .
وبذلك حافظت القبائل على وجودها وعلاقاتها فيما بينها وعلاقاتها بداخلها دون الإخلال حتى بصغار الأمور أو كبارها، واستطاعت أن تعيش بزمن لم تكن به حكومات ولا دساتير ولا محاكم .
ومن هذه المجتمعات ولدت هذه الحكايات التي جمعت بعضها – في هذا الموقع – ، ومعذرة إن حصل خطأ أو نسبت حكاية لغير أصحابها … – وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى أله وصحبه أجمعين –


تنبيهات لابد منها


ربما يواجه القارئ قصائد يجد في أبياتها قول شاعر : بجاه النبي، أو بجاه فلان من الأولياء والصالحين أو الآيات القرآنية. وهذا لا يجوز ولا ينبغي أن يقوله المسلم.
فالتوسل بالنبي – صلى الله عليه وسلم – بدعة. وأما التوسل بغيره من الأولياء والصالحين فتوسل شركي. وإذا اعتقد به المرء كوسائط بينه وبين الله تعالى فإنه شرك أكبر. ونحن حين لا نقوم بتغيير هذه المفردات أو شطبها فلأنها موجودة في مصادر وكتب كثيرة كما هي، إضافة إلى ذلك أنها قيلت قبل عشرات السنين .
لذلك لا نملك إلا الإشارة والتنبيه لهذه الأخطاء .
والله المستعان ،،،


للراوي طلال السعيد
من كتاب حكايات من تراث البادية


.
الوسوم:,
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.