تاريخ ما أهملهُ التّاريخ – أمّ عقيل


تاريخ ما أهملهُ التّاريخ
أمّ عقيل


حبيب جاماتي


قالَ الشّيخ فوزان وهو يعتدل في جلستهِ ثمّ يرتشف قليلًا من القهوة الّتي كان يُحبّها:
– اليومُ يوم حزن عندي؛ فقد شُيّعت إلى مرقدها الأخير سيّدة كان لها في نفسي مكانة سامية، وأنت تعرف ابنها.
فسألتهُ من تكون تلك السّيدة الّتي أعرف ابنها، وما اسم ذلك الابن الّذي ماتت أمّه؟ وهل هو على قيد الحياة؟ فكان جواب الشّيخ فوزان:
– الابن ماتَ منذ بضعة أعوامٍ، واذكر جيّدًا أنّك كنت معنا بين المشيّعين.
وسكتَ لحظةً ثمّ قال:
– عقيل …
وتذكّرتُ في الحال ومن دون عناء ذلك الرّجل الطّيب الّذي يعنيه الشّيخ فوزان: عقيل تاجر الخيول العربيّة ومروّضها وفارسها الّذي لا يُشقّ له غبار، الّذي طالما حدّثني عن ماضيه في السّاعات الّتي كنّا نقضيها معًا بصحبة الشّيخ فوزان السّابق، وزير المملكة العربيّة السّعوديّة في مصر في ذلك الوقت، رحمه الله وأحسن إليه.
تذكّرتُ الرّجل، وتذكّرتُ أيضًا أنّ حياته كانت مفعمة بالمغامرات، واتّجهتُ بالأسئلة إلى الشّيخ فوزان السّابق الّذي ذكر اسم عقيل بمُناسبة وفاة أمّه، الّتي عاشت بضعة أعوام أو أكثر بعد وفاة ابنها، وكان غرضي أن أضيف إلى معلوماتي السّابقة معلومات أجهلها، فحدّثني الشّيخ فوزان عن عقيل، وعن أمّ عقيل الّتي ماتت في مصر، وأمّ عقيل الأولى الّتي ماتت في جزيرة العرب قبلها بنحو مئة وخمسين سنة، فاسمع قصّة هذه، وقصّة تلك.
عاد «سويلم» في ذلك المساء إلى بيتهِ في بلدةٍ «عيينة» مكفهّر الوجه حزينًا كئيبًا، فقد ضاعت منه ناقته وهي ترعى في ظاهر البلدة، وهو فقير لا يملك غيرها، وما أن علمت زوجته «أمّ عقيل» بما حدث له، حتّى ثارت عليه وراحت تؤنّبه على إهماله، ثمّ انطلقت تعدو في الطريق ووجهتها دار الأمير الحاكم، عثمان بن معمّر؛ لكي ترفع إليه أمرها، وتطلبه بالبحث عن ناقة هي كلّ ثروة أسرة من رعاياه.
في طريقها إلى دار الأمير، مرّت بالمقام المعروف بضريح «سعد» الّذي يضمّ رفات ولي من الأولياء الصّالحين، يختلفُ النّاس في تحديد نسبه؛ ولكنّهم يتّفقون على أنّ لهُ عند الله كلمة مسموعة.
رفعت أمّ عقيل ذراعيها إلى السّماء، وصاحت بصوتٍ تملأه حرارة الإيمان: «يا سعد! أعد إليّ النّاقة يا سعد»، وواصلت سيرها وهي تُردّد الدّعاء على أمل أن يستجيبه سعد الرّاقد في ضريحه، وكان زوجها يسير خلفها فجعل يُردّد مثلها: «يا سعد! أعد إلينا النّاقة يا سعد!».
اخترقَ الرّجل وزوجته سوق البلدة وهما يُردّدان دعاءهما بلا انقطاع، وقبل أن يخرجا من السّوق، سمعا صوتًا يُخاطبهما من نافذة بيت عرفاه وعرفا صاحبه، وكان الصّوت يقول:
– دعْ سعدًا في قبره يا رجل، واتّجه بدعائك إلى ربّ سعد، فهو القادر على كلّ شيء!
وسمعَ النّاس في السّوق ما قاله الصّوت، وعرفوه أيضًا، وعرفوا صاحبه، كان ذلك الصّوت صوت «محمّد بن سليمان بن عبد الوّهاب»، العالم المُصلح، وكانت تلك العبارات الّتي خاطب بها أمّ عقيل وزوجها، في سوق عيينة، بدء الدّعوة الّتي قرّر الرّجل الاضطلاع بها في جزيرة العرب، وكان ذلك في أواسط القرن الثّاني عشر للهجرة، الموافق للقرن الثّامن عشر للميلاد.
طلب محمّد بن سليمان بن عبد الوّهاب من النّاس الّذين التفوا حوله في سوق البلدة أن يجود كلّ منهم بما في وسعه، فلبّوا طلبه، وجمعوا للرّجل الفقير وزوجته ثمن ناقتين بدل النّاقة الواحدة.
وصاح فيهم العالم المُصلح الورع أنّ عليهم بعد الآن أن يُوحّدوا الله ولا يدعوا سواه ولا يصلّوا لغيره ولا يلجؤوا إلّا إليه في الملمات وفي الأفراح على السّواء، ولقيت الدّعوى السلقية آذانا مُصغية، وأذهانًا واعية، وتحمّس لها أمير العيينة عثمان بين معمّر في بادئ الأمر؛ ولكنّه عاد فتخلّى عن صديقه ابن عبد الوّهاب، لما جاءه من «ابن عريعر» حاكم الأحساء تهديد بأن يترك صاحب الدّعوة وشأنه، ويبعده عن مدينته، وكان ابن عريعر يُدين بالطّاعة إلى أمير الأحساء، فنزل على إرادته، وطلب من المصلح أن يُغادر العيينة فغادرها متوكّلًا على الله.

قصد الرّجل إلى الدّرعيّة مقرّ أميرها محمّد بن سعود، فتقرّب إليه، وتوثّقت عرى الصّداقة والمحبّة بين المصلح الدّيني والأمير صاحب السّلطة والنّفوذ.
وكأنّ الحكمة قد خرجت من رأس عثمان بن معمّر بخروج محمّد بن عبد الوهاب من مدينته. فقد انقلب ذلك الأمير فجأة إلى طاغية مستبد سفّاك للدّماء، يأمر فلا مردّ لأمره، ويعتدي على أموال رعاياه وحياتهم لأتفه الأسباب، فما جعلهم يتذمّرون ويرجون الخلاص من ذلك الحك الجائر.
وحدث ذات يوم أن خرج عثمان بن معمّر إلى الصّيد وحوله لفيف من أعوانه ورفاقه في اللّهو، وكان يتقلّد سيفًا بديعًا تلقاه هدية في اليوم السّابق، ولم يُجرّبه بعد.
وشاءت الصّدف أن يمرّ على مقربة من الأسوار، فتى في نحو العاشرة من العمر، في الوقت الّذي كان فيه الأمير ورجاله يجتازون باب المدينة إلى الخارج، وكان الصبي يحمل على رأسه رزمة من العيدان الجافة، وتمشي أمّه خلفه، وعلى رأسها أيضًا كومة من الأغصان، وقال عثمان لرفاقه:
– لنجرّب هذا السّيف في عنق هذا الفتى.
وبسرعة خاطفة، كان السّيف قد انطلق خارج غمده، وكان الأمير قد همز جواده ناحية الصبي، وبضربةٍ واحد فصل رأسه عن كتفيه.
وجنّ جنون الأم، فألقت بنفسها على جثّة ولدها، وجعلت تبكي وتصيح في آن معًا:
– أيّها الوحش الجانيّ لن أطلب من سعد أن يثأر لولدي، بل أتوجّه بدعائي إلى ربّ سعد، كما قال ابن عبد الوهاب، واطلب منه أن يجعل إمارتك هذه خرابًا يبابا.
لم تكن المرأة غير أم عقيل، أمّا الصّبي الّذي قتله ابن مُعمّر فهو ابنها عقيل. وما مرّت سنة على تلك اللعنة، حتّى كانت حدائق عينيه قد يبست، ومياهها قد جفّت، وأهلها قد بدأوا يهجرونها.

مات سويلم زوج المرأة حزنًا على ولده، وهجرت الأم المدينة الّتي استنزلت عليها اللّعنات، وقصدت مع ابنها الثّاني «صالح» إلى الدّرعيّة حيث سألت عن الشيخ صاحب الدعوة الطيبة، وقصّت عليها قصّتها مع الأمير الظّالم، فطيّب ابن عبد الوهاب خاطرها، وأخذها محمّد بن سعود هي وابنها تحت رعايته، فاطمأنّت نفسها في كنفه، ومن الدّرعيّة، في عهد محمّد بن سعود، بدأت الغزوة السّعوديّة النّاجحة، وتتالت الأعوام بعد الأعوام، والحظ تارة يضحك للغزاة وتارة يعبس في وجوههم؛ ولكن الجولات الأخيرة أسفرت عن انتصارات باهرة، فتحول الغزو إلى فتح، وتكلّل الفتح بقيام دولة رفيعة العمد ثابتة الأركان، وأم عقيل، ما مقدار مساهمتها في تلك الحوادث الجسام، لقد التحق ابنها صالح بكتائب الفرسان وحارب في صفوف السعوديين، وقُتل في معركة بين عبد العزيز بن محمّد السعودي وخصمه دهام بن دواس أمير الرياض في سنة 1187 هجرية الموافقة لسنة 1773 للميلاد، ومنذ ذلك الوقت، ظلّ الرجل من سلالة صالح أخي عقيل يلتحقون بجيوش السعوديين ويستشهدون في المعارك الواحد بعد الآخر، وكان آخر من قاتل منهم في الميادين رجلان اسمهما أيضًا سويلم وعقيل.
أما سويلم، فكان بجانب عبد العزيز ابن عبد الرحمن فيصل آل سعود، في المعركة الّتي انتصر فيها معيد مجد السعوديين على خصمه سلطان بن الرشيد في الطرفية سنة 1325 هجرية، الموافقة لسنة 1907 للميلاد. وفي هذه المعركة كبت الفرس بعبد العزيز، فكسر عظم كتفه اليسرى، وكان سويلم أسرع الفرسان للأخذ بيده وإسعافه في تلك السّاعة الرهيبة.
وأمّا عقيل فهو ابن سويلم بطل الطرفية، وقد التحق هو أيضًا بقوّات المحاربين من السعوديين، في خلال الحرب العالمية الأولى وبعدها، واشترك في معركة الهدى الّتي انتصر فيها الجيش السعودي على الجيش الحجازي في سنة 1343 هجريّة- 1924 للميلاد، ولم يكن عبد العزيز آل سعود على رأس قوّاته في تلك المعركة، الّتي قادها أعوانه من أبطال الحروب، وكان على رأس الجيش الحجازي الأمير عبد الله بن الحسين، الّذي اعتلى عرش الأردن فيما بعد باسم «الملك عبد الله».
وفي تلك المعركة، أصيب عقيل بجرح بليغ في فخذه الأيمن، ظلّ بسببه يعرج طول حياته.
وبقعد قيام الدولة السعودية في نجد والحجاز، هاجر عقيل بن سويلم إلى مصر،

وقال الشّيخ فوزان السابق:
– كنت من ناحيتي قد جئت إلى مصر من قبل مرة بعد مرة، وانصرفت إلى التجارة، وكنت أجلب الخيول الأصيلة من جزيرة العرب، فتعاون معي «عقيل بن سويلم» في العمل، وجاءت معه أمّه، وأقام الاثنان في القاهرة، وكانت زوجة عقيل قد ماتت في الحجاز فلم يتزوج مرة أخرى بالرغم من أنّه لم يكن قد رزق أبناء.
وأضيف أنا إلى ما قاله الشيخ فوزان السّابق رحمه الله، إنّه كان يزور الأم العجوز، ويساعدها على تحمّل وحدتها وعزلتها، وكتب بشأنها ذات يوم إلى الملك عبد العزيز، فقرر الملك أن يصرف لها معاشًا من خزينة الدولة، وكان الشيخ فوزان السابق يذهب بنفسه ليسلمها ذلك المعاش، بعد أن يضيف إليه ما يعادله، وفاء لذكرى ابنها عقيل، شريكه في تجارته، وبوفاة أم عقيل في سنة 1937، انقرضت أسرة سويلم وصالح وأحفادهما، من أبطال الحروب السّعوديّة في جزيرة العرب.


 

جميع الحقوق محفوظة © 2017 الراوي – سالفة وقصيد.