( أصدقاء من الشام واليمن )


( أصدقاء من الشام واليمن )


قضايا وقضاة وشيم من البادية
نايف بن زابن الحربي


قيل إن شاعرًا من الشام قد تعرف على شاعر من اليمن ثم حصل بينهم حب في الله وصداقة انطوت على الخلاص منقطع النظير بين الاثنين وكان العلاقة بينهم علاقة زمالة في الشعر والأدب ثم تحولت إلى علاقة إخاء ومحبة وشيم دق وإخلاص، فامضوا ما أمضوا من الوقت مع بعضهم ثم افترقا بسبب ظروف الحياة ثم ذهب صاحب الشام إلى اشامه وذهب صاحب اليمن إلى يمنه وبعد مرور وقت من الزمن قال شاعر الشام أنا سوف أذهب إلى اليمن أبحث عن صاحبي أريد أن أطمئن عليه قبل أن أموت وأعود إلى بلدي وقد مضى لهم وقت ليس بقصير إذ كانوا شبابًا واليوم قد أصبحوا في سن الشيوخ ولما وصل إلى حيث تكون مضارب صاحب مر بقرية ووجد بها دكانًا واحدًا فاستراح لديه بعض الوقت وكان يشرب الدخان فقال فطلب من صاحب الدكان أن يبيعه نصف وقيه من الدخال فقال له وأين حق نصف الوقية، قال: عند الله حتى آتيك به، فامتنع صاحب الدكان ثن يستجيب لطلبه فاسكت قليلًا وقال:

الله من رأس كما رأي غليون = راعيه مضرم وأوقد الجمر فوقه

ثمّ قال صاحب الدكان:

إلى صار ما تشقون به بيش تشقون = إلى صار ما فيكم غليم يذوقه

قال الشامي:

نشقا بخطار (1) العشاء يوم يلفون = ودهم الفرنجي (2) لا تلاحق لحوقه

قال صاحب الدكان:

العصر وين انتم عن اللي يصيحون = يوم إن كلًا باهزنه عذوقه (3)

قال الشامي:

هذاك جاهل صاح من غير مضمون = ورع يصيح واللبن في شدوقه

قال راعي الدكان:

لزوم إلى صاح المصيح تويقون = حتى تباين لك مجاذب عروقه

وكان صاحب الدكان هو صديقه التي قطع له مئات الكيلوت يبحث عنه وفي أثناء الحديث ومن خلال المحاورة الشعرية دخله الشك بأن هذا هو صاحبه القديم الذي قد توارى عن نظره منذ عشرات من السنين فأعطاه طلبه من الدخان وأخذه إلى البيت وأكرمه وبعد العشاء أحب أن يسأله بهذه الأبيات هل هو صديقه أم لا، وكان الشامي اسمه معيفن اسم عقايدي حيث كانوا بعض الجهال من العرب يظنون أن الموت لا يأخذ صاحب الاسم القبيح وأنه لا يبحث إلا عن صاحب الاسم الجميل؛ فلذا كانوا يسمون بعض الأسماء القبيحة لهذا السبب، فقال صاحب الدكان وهو أصلًا صاحب الشامي وكان يستنطقه استنطاقًا ليعرف هل هو صاحبه أم لا.

يا خاطر الرحمن كلًّا على ضن = أنا وجاري مخلفين الديانة
قالوا معيفن قلت ما هو معيفن = حاميه ربه عن دروب العفانة

قال الشامي:

هو صادق اسمي مير حاميه بالقن = رجال عرف وخالط العرف أمانه
سماني المشفاق قبل يتقافن = والموت ما تخفاه طرق الذهانه

قال راعي الدكان وهو صاحبه اليمني أن معيفن قال: نعم أنا معيفن، ثم قال له معيفن: إنه يبدو لي أنك قد اشتبهت بشخصي منذو دخلت في دكانك، قال صاحبه: نعم؛ ولذا ترددت في إعطائك طلبك من أول وهله لحيث إنني قد خشيت أن تأخذ طلبك ثم تذهب قبل أن أتعرف عليك تمامًا، فجعلت ذلك الرفض سببًا لزيادة النقاش بين وبينك حتى أتمكن من أخذ قراري الأخير؛ وإلّا أنا أصلي لم أرد طلب أحد وأثق في أكثر الناس والحلا إذا ما جاء به العميل هو يجيب العميل لك.
وإلى هنا انتهت القصة ثم لم أدرى كم مكث لدى صاحبه ومتى عاد من عنده إلى أهله.


(1) خطار : ضيوف .
(2) الفرنجي : السلاح والفرنجي كناية لحيث ـنه صناعة الأفرنج .
(3) عذوقه : سنابله والمعنى بذلك أن المزارعين كانوا يصيحون على الطير في أيام الحصاد حتى لا يبعث في الحبوب .

جميع الحقوق محفوظة © 2017 الراوي – سالفة وقصيد.