إن احتجناها أخذنا منكم مثلها وإن تركناها لكم فهي شيمة عرب


إن احتجناها أخذنا منكم مثلها
وإن تركناها لكم فهي شيمة عرب ( سنة 1340هـ )


قضايا وقضاة وشيم من البادية
نايف بن زابن الحربي


قصة الشيخ غازي بن جزاء بن عمهوج أحد شيوخ العونة من بنو سالمم من حرب مع البنات الثلاث اللواتي ضللن السبيل إلى أهلهن وقيل إنهن شمريات روا لي هذه القصة الشيخ متعب بن ناهي بن عمهوج الحربي وقال إنهم قد أغار بعض الغزاة على عرب من البادية وكان يوم الغزو يوم رحيل، وكانوا البادية في بعض الظروف يرحلون في الليل إذا خافوا أن تكتشفهم أعداءهم وهم بعيدين عن مضارب قبيلتهم؛ ولهذا جعلوا الإبل تمشي في منتصف الليل ومعها حاميها جيده من الفرسان ثم يتبعها الجمال تحمل البيوت والأمتعة ومعها بقية رجال العرب.
وكانت أغنامهم قد سرت في أول الليل متجهة إلى الجهة التي كانوا العرب يرغبون الرحيل إليها لحيث أن الغنم مشيها بطيء والإبل أسرع منها؛ فلذا يجعلون بين سيرها وقت متفاوت حتى تصل محل الحل بعد الترحال في وقت واحد وكانت هذه خطة من خطط عرب البدو في أيام السلب والنهب، فتنجح أحيانًا وتفشل أحيانًا.
أما هذه الخطة فإنها قد فشلت في هذه المرة حيث إن عدوهم قد اكتشفهم وعد لهم إعدادًا مسبقًا فلما ذهبت الأغنام في أول الليل تابعها العدو عن بعد حتى ابتعدت عن أهلها ببضع كيلوات فهجموا عليها وأخذوا وأسروا رعيانها المكونين من الشباب والشابات ومعهم رجلين فهم قد قتلوا على الفور عند الاصطدام بهم فاغموا أعين الرعيان.
وذهبوا بهم معهم حتى لا يرجعوا فيخبروا أهلهم فيلحقون بهم فلهذا أخذوهم معهم وقبل الفجر بقليل أفرجوا عن البنات ومضوا في طريقهم ولما دنت الشمس إلى الغروب في اليوم الثاني اطلقوا سراح الشباب، فالشباب ناموا وفي الصباح رجعوا مع طريق الغنم حتى وصلوا إلى أهلهم؛ ولكن البنات لم ينتبهن إلى هذه الطريقة بل ذهبن يهيمن على وجوههن في ظلمات الليل البهيم، فضللن الطريق واتجهن إلى جهة معاكسة عن الطريق أو الاتجاه المؤدي إلى أهلهن فوجدهن الشيخ غازي الذي كان يضرب في الصحراء يبحث عن بعض إبله الضالة وقد أضناهن الجوع والظماء، فسقاهن من قربته وأعطاهن مما تيسر معه من الطعام وسألهن عن أمرهن فأفدنه في جلل الأمر، وقلن له أين نكون نحن الآن؟ قال أنتن في مضارب حرب، فأخذهن معه وعددهن ثلاث بنات وبنى لهن بيتًا صغيرًا من بيوت العر، وأخذ لهن قطيعًا من الغنم، وقال: هذا البيت تنمن فيه وهذه الغنم تحلبنها وتشربن حليبها حتى نجد من يخبر أهلكن بوجودكن عندنا، ففعلن وقد أراد إخبار أهلهن؛ ولكن القبائل كانت أعداء بعضها يتربص ببعض.
ولهذا السبب كانت الحركة متوقفة بين الناس ولهذا الشيء مكثن عنده سنتان بلا علمًا ولا خبر وبعد هذه المدة علموا أولياء أمورهن وعرفوا من يكونن في طرفه من الناس فتسللوا حتى وصلوا إلى غازي بن جزاء بن عمهوج الحربي صاحب الأمانة.
وتعرفوا عليهن وقال أحدهم يا شيخ غازي إن فضلكم علينا كفضل الوالد على المولود فاطلبوا حقهم وعسى أن الله يقدرنا على رد جميلكم جميلًا مثله.
قال الشيخ غازي جميلتنا الأولى لها آخر عندنا، قال أولياء الأمور وما آخرها يا شيخ غازي؟ قال أولها حفظ الأمانة والصيانة وآخرها تأخذهن وتأخذ جملهن وبيتهن التي كانن ياكلنا ويشربنا وينامن فيه وتأخذ قطيع الغنم معهم فهو لهن من حلالنا الخاص حيث كان مدفوعًا منا اليهن منذ سنتين يحفظنه ويحلبنه ويقتتن منه، وكان لهن بيت مستقل يمارسن حريتهن فيه أسوة بغيرهن من نساء القبيلة، فهذا حق من حقوق المسلم على المسلم وعادة من عوايدنا وشيمة من شيمنا، إن احتجناها أخذنا منكم مثلها وإن تركناها لكم فهي شيمة عرب، وحقها عند العرب ذكر اسم راعيها إذا حل طاريها، وعلى من يمناي وبندقي وحزامي إنه ما يرجع مما عطيناه لهن مقدار شعرة واحدة وفعل المعروف ما ينقص راعيه يا شمري.
والمعنى في قوله من يمناي، ومن بندقي، ومن حزامي، يعني يقصد بها نوع من أنواع القسم؛ ولكنه ليس قسم إنما يدل على عزم الرجل وتصميمه ورغبته الأكيدة في بذل الشيء بنية خالصة رحم الله أهل الشيم والقيم من الطيبين الأولين والآخرين.


 

جميع الحقوق محفوظة © 2017 الراوي – سالفة وقصيد.