( اقطع الرّأس بطربوشه )


( اقطع الرّأس بطربوشه )


قضايا وقضاة وشيم من البادية
نايف بن زابن الحربي


قصة وفاء بين الشيخ محمد بن مريع العبيدي والشيخ حذيفة بن جزاء الأحمدي وهي إنها قد غضبت الدولة التركية على حذيفة في عهد السلطان عبد الحميد سنة 1210 هـ ، وقرروا إعدامه شنقًا، وكان محمد العبيدي رجلًا بارز الشخصية كبير الجاه قوي الهيبة وقد وثقت الدولة بإخلاصه لها، وقد ولي من قبلها على عدد من المهام التي تخدم الدولة في إدارة شؤون أهل المنطقة في ضواحي المدينة المنورة، فاستغل حسن علاقاته مع الوالي التركي بالمدينة وطلب منه أن يؤجل قصاص الشيخ حذيفة ويخرجه من السجن أسبوعًا واحدًا تحت كفالته ليولي على أمره ويكتب وصيته.
وكان الوالي التركي يعلم أنه إذا صدق يقدر على إحضاره في الموعد المحدد، فسمح له بالخروج تحت كفالة العبيدي، فقال العبيدي للشيخ حذيفة: اخرج ولا تعود، وكان حذيفة رجلًا وفيًّا أيضًا، وعارفة من عوارف العرب المشهورين، وكان يعلم إنه إذا ثبت للوالي التركي أن أمر خروجه من السجن وإفلاته من يد السلطة هي حيلة قد خططها العبيدي، إن الدولة سوف تضع رأسه في حبل المشنقة فور تخلفه عن الموعد المحدد، فقال للشيخ محمد العبيدي: أنا سوف أذهب واختفي في بيت فلان، وأنت اعمل كل مساعيك مع الدولة لإنقاذي، فإذا أجدت بشيء وإلا سلمت نفسي والأمر لله.
فذهب، وفي الموعد المحدد طلبوا حضور الشيخ حذيفة الأحمدي من قبل كفيله محمد العبيدي؛ ولكن العبيدي اعتذر عن إحضاره بحجة أنه قد اختفى عنا وعن قبائله، وقد ذهب هائمًا على وجهه في الصحراء في جهةٍ لا نعلمها ولا نعلم من يعلمها، فقال المسؤول عن تنفيذ قرار الإعدام اطلع على المشنقة يا العبيدي.
وكانت المشنقة حبلًا مُعلّقًا في عارضة خشبية بين قائمتين من الخشب وتحت العارضة كرسي فيطلع الرجل على الكرسي ثم يوثق عنقه في حبل العارضة ثم يسحب الكرسي من تحته فيبقى معلقًا حتى يموت.
وكان محمد العبيدي يسمى باشا وتلبسه الدولة وشاح السلطة وطربوشًا أحمد لتميزه عن غيره من العامة وهكذا كانت الدولة تميز أكثر المعاونين معها بهذه المميزات فقال له المسؤول التركي اطلع على الكرس يالعبيدي فطلع على الكرسي، فقال له: ارفع الطربوش، قال العبيدي: اقطع الرأس بطربوشه مكان نظام الدولة يمنع الإعدام بالملابس الرسمية فأجلوا شنقة وأرسلوا للوالي التركي يفاتحونه في أمره، فقال الوالي: اعفوا عنه واعفوا عن صاحبه، فهذا وفي وتحت سلطة أوفياء، والله أوفى منا ومنه وإن عادها فلا لكريم على كريم حق إلا بمكيال كرمه فمثل ما يعطي يأخذ ومثل ما يأخذ يؤخذ منه.


 

جميع الحقوق محفوظة © 2017 الراوي – سالفة وقصيد.