الغريب مع الأمير حجرف الذويبي والبخيل


الكرم والبخل عدوان متضادان
الغريب مع الأمير حجرف الذويبي والبخيل


قضايا وقضاة وشيم من البادية
نايف بن زابن الحربي


كان للأمير حجرف ابن في ريعان شبابه وقد تعلق قلب هذا الابن بفتاة في زهرة العمر وعلى قدر كبير من الجمال المغري والمثير؛ ولكن أباها كان بخيلًا غابة في البخل وأراد الابن الزواج بهذه الفتاة بعد أن استثارته بحسنها الفتان واطلع والده على رغبته فأجابه والده قائلًا: يا بني، إنك ابن حمولة طيبة ومن أساس كرم وحسب ونسب عريقان فلا تعجبنك بنت البخيل بحسنها، وإن صممت على رأيك فسوف تخسر الكثير وتفقد الكثير من صفات الزوجة الكريمة والخلق الحسن الذي لا يتوفر إلا في المرأة الحسناء الأصيلة ذات الحسب والنسب. أما هذه الفتاة فإنها من بيت مغموز بالجبن مذموم بسوء الخلق ومشهور بالبخل وشحيح بالكرم والعطاء، وهذا له تأثير على حاضرك ومستقبلك وذريتك فيما بعد، فلا بد من أن تنجب لك ذرية تحميل الكثير من مساوئ رحمهم الوضيع وتهذيبك وأدبك ونشأتك لا تقبل هذا، والخيار لك وافعل ما تقتنع به نفسك.
فقال الابن: لي رغبة يا أبي بالزواج بها ولو أسبوعًا واحدًا وبعد ذلك يفعل الله ما لا نعلم، فأصابت حجرف الحيرة في أمره، وبات لا يدري أين الخطأ والصواب وأخيرًا قرر قرار المغلوب على أمره أن يحقق رغبة ابنه وهو واثق أن هذا الزواج لن يدوم له بقاء.
وذهب حجرف إلى والد الفتاة يعرض عليه طلبه ووافق والد الفتاة وفي الصباح شد كل منهما على راحلته ذاهبين إلى المأذون الشرعي لعقد النكاح للأمير على الفتاة وفي منتصف الطريق نزلا تحت ظل شجرة ليستظلا بظلها ويأخذا قسطًا من الراحة ليتناولان فيه بعض الطعام والشراب، وبينما هم على هذه الحال إذا برجل يقبل عليهما يقطع الطريق يمنة ويسرة حتى وصل إليهما فألقى السلام ثم جلس بالشمس ورد يده إلى فمه يطلب الماء وقد أضناه الظمأ والجوع والتعب، فنهض حجرف واقفًا وأخذ الغريب بيده وأفسح له مكانًا في ظل الشجرة وأجلسه وجلس هو إلى جواره يسقيه الماء وأخذ بعض الماء وراح يبلل رأسه وصدره حتى أفاق من آلامه. كل هذا والبخيل ينظر إليه باشمئزاز ويقول لحجرف لو أعطيته الماء وتركته في مكانه بالشمس لكان أفضل لنا حتى لا يضايقنا وليس هذا إلا غريبًا ضائعًا، وإذا بحجرف يرد عليه يقول الله تعالى: {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}، وحديث رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر.
ثم قدموا طعامهم وكان قرص من البر مغمورًا بالدهن فتقدم البخيل وأخذ بيده قطعة صغيرة من القرص قبل أن يوضع عليه الدهن وأعطاها للغريب وأمره أن يتراجع إلى الوراء قليلًا؛ ولكن حجرف ضاقت نفسه من هذه التصرفات اللئيمة وأصر على أن يأكل الغريب معهما وأخذ خبزته ووضعها مع باقي الخبر الذي أمامهما فقال البخيل في استنكار: يا رجل هذا إنسان قذر، رث الثياب، دعه يأكل وحده. فأجابه حجرف: دعني وإياه نأكل من هذا الجانب وكل أنت من الجانب الذي يليك، وظن البخيل أن ما أمام حجرف لن يكفيه هو والغريب ولكنهما أكلا وشبعا وأفرغا الباقي على جذع الشجر وبعد فترة وجيزة نظر الغريب إلى جذع الشجرة وبعد فترة وجيزة نظر الغريب إلى جذع الشجرة فشاهد الذر قد تكوم على الطعام وكل ذرة تأخذ منه بقدر حجم جسمها وتصعد به مع الجذع فأنشد يقول :

بخل ردي الخال ما مد قوتنا = وحنا ضمارا والكبود اعطاش
وقام الكريم وجاد من مأجوده = وأكرم غريب الدار مما حاش
وأكلنا وشبعنا واشبع الذر سورنا = وللذر في زاد الكرام معاش
يعط العطا من كان ضاري بالعطا = ويمن العطا من كان خاله لاش
ومن لا يجود منسبه قبل ويلده = وإلا ترى ولده يروح بلاش

وعندما سمع حجرف ما قاله الغريب في شعره هز رأسه طربًا ثم ركب راحلته وقال للغريب إما أن تركب معنا إلى ديارنا أو نقربك إلى مكان تريده في أي ناحية. فقال الغريب: لا، فسأله حجرف: ولماذا؟ فقال: لأنني قاصد الحج ووجهتي مكة وقد أحببت أن أصلها سيرًا على الأقدام طمعًا في زيادة الأجر بكل خطوة أخطوها في مرضاة الله عز وجل، واقتنع حجرف برأي الغريب وودعه وسار هو ورفيقه البخيل وبعد أن قطعا مسافة قليلة التفت حجرف إلى رفيقه وضرب بيده على صدره وصاح قائلًا: لقد نسينا عند أهلنا شيئًا مهما ولا نستغني عنه في عقد النكاح فلا بد أن نرجع، ثم رجعوا والتقى حجرف بابنه فقال له الابن أرجو أن تكونا وفقتما في طلبكما. يعني عقد النكاح، فرد عليه والده قائلًا: نعم حصلنا على الطلب الذي نريده. فقال الابن: وما هو؟ فقال الأب: قصة أعطاك الله خيرها وزوجة كفاك الله شرها. وأخبر ابنه عن كل ما حدث تحت الشجرة مفصلًا فامتلأت نفس الولد بالقناعة وسمت شيمته وأبى أن يرضى له عشا في وكر الهون والذمامة.
وقد ترك ابنة البخيل وأخذ ابنة عمه أصيلة من أصلاء وأنجب منها البنين والبنات، ومنهم أسرة الذوبة الحالية لم يزالوا أمراء في قبيلة حرب ومن بيت عامر على مر العصور بالحسب والنسب والأصالة.


 

جميع الحقوق محفوظة © 2017 الراوي – سالفة وقصيد.