( قصة العنزي وجيرانه الحروب )


( قصة العنزي وجيرانه الحروب )


قضايا وقضاة وشيم من البادية
نايف بن زابن الحربي


يذكر في الرواية أن العنزي كانت له إبل وقد أصيبت بمرض (الجرب) وهذا المرض خطر ومضر للغاية على صحة وسلامة الإبل، فإذا أصيب قطيع الإبل بهذا المرض كرهوا الناس الاقتراب منه وحتى مورد الماء الذي يشرب منه هذا القطيع أو الأرض التي يرعى ويرتع بها أيضًا، ولا بد من أن يسمع صاحبه ممّا حوله من الناس ما يؤثر في نفسياته بسبب هذا لشيء.
ولذا فقد رحل العنزي إلى بعض المياه في موارد حرب ونزل في مكان بعيد عن الناس خشية انتشار عدوى مرض إبله إلى إبل البادية المحيطين به وصار يجس إبله بعيدًا في الخلاء ويجلب الماء لها على ظهور خمسة من الجمال، فإذا أناخها عند المورد ثم حملها بالماء ورجع إلى بيته وإبله أخذ دمنها وعبسها أي شخان الجمال وروثها ثم حفر له ودفنه حتى لا تشم ريحته إبل أهل هذا المورد فتصاب هي الأخرى بهذا المرض، فاستمر على هذا الحال حتى انكشف أمره للناس فشاهدوا هذه المشكلة التي هو قد وقع بها والمشقة التي كان يعاني منها في جلب الماء.
فأرادوا جماعة من الحروب الذي كان يشرب هذا العنزي من موردهم أن يذهبوا إليه ويطمئنونه بأنهم راضون بما كتب الله لهم من خير وشر وأنه لو ذهب بإبله مجتمعة إلى الماء وتركها تشرب من حيث يشربون وترتع في مراتع إبلهم أن هذا لا يؤثر على نفسياتهم أبدًا فأمروه بالرحيل والاقتراب من الماء في جوار بيوتهم وخصصوا لإبله مشرب خاص على جهة من جهات البئر التي تشرب منها إبلهم وخصصوا مكان آخر بقرب بيوتهم لمعالجتها بعلاج الجرب المعروف في ذلك الزمن وهو نتف أوبارها ومعالجتها بدهان السمن البري ودهن القطران الذي يقطرونه من جذوع الأشجار بعد حرقها في أنفاق تحت القشرة العلوية من الأرض وخلطه مع مادة الخفان والزرنيخ الذي يشترونها من الأسواق.
وبدأوا فعلًا بعلاجها حتى شفاها الله واقر بها عين صاحبها ولم تنتقل عدواها إلى بعير واحد من إبل حرب التي كانت ترد على هذا البئر وهي أكثر من سبعة قطعان من الإبل التي كانت تشرب وترتع معها وقد بقي معهم جارًا معزز مكرم حتى رحل من جوارهم إلى جماعته الولادعة من عنزه.
وجيرانه من الحروب هم خالد القرن وبن ذويبان من بني علي قوم الغرم ولما جلس يوم في أحد مجالس ربعه عنزه في ذات يوم وهو يقص عليهم قصته مع جيرانه الحروب وماذا كان يفعل بنفسه في البداية حين يحبس إبله في الخلاء ويجلب لها الماء من مسافات بعيدة ثم ماذا فعلوا جيرانه الحروب أخيرًا حين جاؤوا إليه ورحلوا بيته إلى بيوتهم وشاركوه في علاج إبله حتى شفيت وقد شاهدوه أثناء سرده للقصة وهو يحبس عبراته في جوفه وقد اغرورقت عيناه بالدموع وما إن انتهت القصة انهمر يبكي على ذكراهم.
فقال له أحدهم لماذا تبكي على حرب وهم كانوا قوم لنا يعني كانوا أعداء لنا، فرد عليهم هذه القصيدة.

قالوا علامك يوم تبكي على حرب = تبكي عليهم قوم ما ينبكوني
قلت البكاء ما هو على البعد والقرب = أبكي عليهم عقب ما قاصروني
أربع سنين وكل مرحو لنا جرب = ماوموا عليها بالعصاء يطردوني
عن دربنا يا ليت ما جالهم درب = ولا هلت العبرة عليهم عيوني
يا عنك ما هم من هل الهزب والزرب = ولاهم لغرة جارهم ينظروني
ربع على الشطات والهون والكرب = بسموتهم وفعولهم يمدحوني
تنشر لهم بيضاء من الشرق إلى الغرب = ولاني بلاحق فضل من قدروني
عن أذوادهم ذودي يقدم على الشرب = يشرب على كيفه وهم يقهرني
وإن حل عند قطيهن بالقناء ضرب = يتلون أبو جلال حام الضعوني
تلقى دماء الفريس منهم لها سرب = هذا طريح وذا غميق الطعوني


 

جميع الحقوق محفوظة © 2017 الراوي – سالفة وقصيد.