قصة حجرف بن عايد الذويبي مع الداب الأعمى


قصة حجرف بن عايد الذويبي مع الداب الأعمى


قضايا وقضاة وشيم من البادية
نايف بن زابن الحربي


ومن قصص حجرف الذويبي في الكرم هو ما روي عنه في هذه القصة التي تجلت فيها قدرة الرجل الكريم على الزهد في الدنيا والصبر على بلاء الفقر وقوة الإيمان والرجاء في الله أنه لم يخلق الخلق ويضيع رزقه بل خلق جمع الخليقة وتكفل زرقها.
وحجرف الذويبي رجلًا قد طبعة جبلاته وتجمعت غرائزه الفطرية في خصال الكرم الطيبة من البذل والعطاء والقراء وكرم الخلق حتى أصبح كأنما يرب المال وينفقه على الضيف والضعيف ولم يدخر لنفسه منه شيئًا.
كما روى عنه أنه سنة من السنين قد نفد كل ما لديه من الماشية بين النار والقدر وأخت القدر مع مرور الأيام ثم أخذ يبيع من الإبل ويشتري بها غنمًا ليغطي على كرمه وإسرافه في حقه حتى نفدت الإبل وبقي لا يملك من الملك إلا زوجته وأبنائه وبيت الشعر الذي لا يجد فيه إلا الظل الذي يقيه من حرارة الشمس الساخنة فقط.
وكانوا أقرباءه يحبونه ويعينونه معونات ماديّة عند الحاجة ولا كثر من مرّة فيما سبق من الأمر، وإنما هذه هي آخر مرة فقد تركوه هو وشأنه عسى ولعل أن يبصر بعينه ماذا يفعلون الناس ويفعل مثلهم ويحفظ قرشه الأبيض ليومه الأسود كما يقولون ويتوسط من الأمور في كل أعماله فلا بخل ممسك ولا كرم مهلك.
وفي يوم من أيام البادية رحلوا جماعته من مورد الماء الذي كانوا عليه وهي بئر يقال لها أم مغرة بقرب قرية أو بمغير المعروفة في نجد الآن وبقي هو على هذا المورد ينتظرهم حتى يحطوا رحالهم في المكان الذي كانوا يرغبون الرحل إليه ثم يبعثوا بعدد من الجمال الذي تحمل بيته وأمتعته ليلحق بقومه حيث لم يبق كما قلنا لديه لا ناقة ولا جمل ولا شاة، وقد قرروا جماعته على أن لا يعوضونه بشيء من المال من الإبل والأغنام بدلًا عما تلفته يده بسبب إنفاق مادته في مجال الكرم، مثل ما كانوا يفعلون في مساعدته منذ قبل حتى يشعر بشيء من العوز والفقر والحاجة حتى يتوسط بتصرفاته مثل غيره لمدة نصف سنة على الأقل، ثم بعدها يجمعون له نصيب من الإبل والغنم، وقتها يكون قد أدبه الفقر وعلمه قيمة حفظ المادة والإقلاع عن أعمال الإسراف والتبذير الذي نها عنه الله ورسوله في الكتاب والسنة.
هذا هو ما حصل في بداية قصة حجرف بن عايد الذويبي وأخيرًا وبعد أن تولت من عنده الاظعان وهو ينظر ويفكر في سبب بقائه بعد ربعه من قلة الراحلة التي يرتحل عليها مع قومه قالت زوجته اذهب إلى أحد الأدوية أو الجبال الذي حولنا عسى أن تصطاد لنا من صيد البر طيرًا أو أي شيء نأكله ونسد به رمقنا حتى يعودوا إلينا قومنا ويأخذوننا من هذا المكان فاسمع واطع لها.
وأخذ بندقيته وصعد في أعلى أحد قمم الجبال المطلة على بيته فصار ينظر ويقلب بصره تارة هنا وتارة هناك ولم ير شيئًا مما يبحث عنه أبدًا في هذه الأرض؛ ولكنه لاحظ وهو في مكانه ثعبانًا يبعد عنه بضع خطوات قد هرم من الكبر وتشقق فمه وعميت عيناه ولا يستطيع الحركة وكان يراه قبل لحظات وإنما كان يظن إنه جذع شجرة مركوزًا في هذا المكان وبين الأحجار فلاحظ بعض تصرفات طيور العصافير من حوله، وأنها تطير ثم تقع على رأسه تظن أنه عودٌ من جذوع الأشجار فيلتهما وكان هذا هو رزق مقدر له على قدر ضعفه وقد أتاه الله به إلى مكانه دون أن يذهب في طلبه في أي مكان آخر.
فتعجب حجرف الذويبي وآمن بقدرة الله وقد اطمأنت نفسه وامتلأ قلبه بالإيمان الصادق على أن الله لم يخلق الخلق ويضيعه، ثم إن الله سوف يقدر له رزقه كما قدره لهذه الدابة المعوقة العمياء فنزل من الجبل وذهب إلى بيته ونام فيه.
ولما بلغ منتصف الليل ولا بزوجته تصحيه من نومه وتقول حجرف حجرف قوم قوم تردد كلامها وتشير إلى بعض الإبل التي شاهدتها وهي تطلق الرزيم والحنين على مكان الماء الذي كان بقربهم وقد خافت على زوجها أن يكون مع الإبل رجال فيقتلونه، فصحى حجرف من نومه صحوة ملؤها الفزع والخوف فأخذ بندقيته وخرج من البيت وهو يتفحص أزوال الإبل ويتأكد منها فيما لو كان معها راعي أم لا.
ولكنه لم يلاحظ معها أحد فاقترب منها وتعرف على وسومها، والوسم هو: العلامة التي يضعونها البادية على ماشيتهم وخاصة من الإبل بخطوط من النار، إما على رقابها أو على قوايمها، وتعرف بهذه العلامة القبيلة اليت تستخدم هذا الوسم إن كانت صديقة أم عدوه، فأوجدها إبل أجنبية فاسقاها وحمل بيته عليها ولحق بقومه وكانت هي مفتاح باب الغناء لحجرف الذويبي وتحريك يد الوداع للفقر وأيامه الشينة.
فقال فيها قصيدة حمدًا وشكرًا لله الذي أوجد فيه جذوة الكرم وأكرمه في خصاله الطيبة ثم فرغ يديه بعد أن ملأها بالخير والبركة ثم أعاد له الروح والحياة ثانية ورحمة وستر خلته وهو يذكر الثعبان الأعمى وكيف تكفله الله عن الجوع وقدر له رزقه وهو لا يستطيع الحركة ولا يرى رزقه بعينه فيذهب إليه.

يقول بن عياد لو بات ليله = رزقي على ربي وانا في فضائله
وقال الذويبي والذويبي حجرف = مثايلًا من لبة القلب قائله
ماني بمسكين الى قله كيله = ضيق باهل بيته وضاقة محايله
أنا إلى ضاقت عليه تفرجت = ماني بمثبورًا همومه تشايله
يرزقني رزاق الهوايش بحجرها = لاخيالة برق ولاهي بحايله
أرزاق غيري يا ملأ ما تجيني = ورزقي يجي لو كل حيًّا يحايله
ولاني على رزقي يخيلًا إلى لفوا = جوعًا هجافاء معتلين رحايله
ونشب نارًا يجذب الذيف ضوها = وإلى كبة زدنا حطبها شعايله
الضيف له حق علينا إلى لفى = صعلوك وإلا من نوادي حمايله
الله من رزقه نوى حل كربتي = سبحانه اللي ما تعدد فضايله
جانا الفرج بالخير في ساعة الحرج = ذودًا من العدوان ترزم جلايله


 

جميع الحقوق محفوظة © 2017 الراوي – سالفة وقصيد.