قصة دخيل البلالي وخويه مع الأمير عبد العزيز بن رشيد


( قصة دخيل البلالي وخويه مع الأمير عبد العزيز بن متعب بن رشيد الشمري )


قضايا وقضاة وشيم من البادية
نايف بن زابن الحربي


دخيل البلالي من الوسدة من حرب وخويه من الصعبة من مطير، وكانوا جيران، وبعد مدة توفي المطيري بعد أن خلف ولدًا شابًّا وأرمله هي أم الولد، فأبقى الولد وأمه في جوار الحربي مدة من الزمن، وكان الحربي رجلًا قويًّا شجاعًا وكان لا بد من أن يهاجم القبائل الأجنبية المحيطة به متسللًا بمفرده فينهب الإبل والخيل بحسب ما يتهيأ له من الفرص لاقتناص فرسًا واحدة أو بعير أو أكثر من ذلك، فاشتهر عند القبائل وصاروا يتصيدونه؛ ولكنه كان داهية من دهاة الرجال، وقد أصبحت السيطرة عليه أمرًا مُحالًا.
فقد نذر عليه بن رشيد نذرًا على أن لو يجده أنه سوف يقتله ويذبح ناقة وضحاء (يعني ناقة لونها أبيض) ويوزعها صدقة على الفقراء والمساكين إذا قبضه وأراح الناس من شره، ولما تكررت هجماته الناجحة على أعدائه، طلب منه الشاب المطيري أن يسمح له بمرافقته في أحد محاولاته، فحاول دخيل البلالي أن يقنع الشاب عن طريق أمه؛ ولكن الشاب يرفض ويصمم على أن لا بد من أن يرافقه هذه المرة، وكان الشاب يجهل الحركات والأساليب التي كان يستخدمها البلالي لنجاح خططه، وكانت تساعده الشجاعة والقوة وسرعة الجري حيث كان لا يجري معه لا خف ولا حافز في المسافات القصيرة.
ولهذا كانت أغلب هجماته ليلًا، فإذا استيقظوا به أعداءه ثم بدأوا في مطاردته في جهة خلفهم إلى جهةٍ أخرى وأخذ ما يريد منهم وهم يبحثون عنه في جهة ثانية وهكذا عاش زمنًا طويلًا وهو لم يظفر به أحد من أعدائه؛ على الرغم من حرصهم على إلقاء القبض عليه، أمّا هذه المرة ألقي القبض وقُتل، ولمقتله سبب.
السبب هو حينما صمم الشاب على مرافقة دخيل البلالي وجاءت أمه إلى دخيل وقالت له يا دخيل إنني أودعك ابني وهو أمانة في عنقك حتى يعود إليها قال لها دخيل: اتكلي على الله يا والدة وأنا أوعدك أنه ما يجيه أكثر مما يجيني، فاطمأنت من كلامه وذهب دخيل البلالي وجاره ابن العجوز وهجموا على إبل من شمر في عرق الدهناء شمال حائل، وكان ليلًا واستيقظوا بهم أهل الإبل فطاردوهم في أثناء الليل حتى ألقوا القبض على الشاب، ولما وقع في أيديهم صاح بخويه البلالي قائلًا: أدركني أدركني، فأنا لست معك، فرجع عليهم وبعد عدة محاولات بذل فيها جهده لتخليص خويه من قبضة أعدائه طلبهم الأمان على نفسه ونفس خويه، وسلمهم نفسه، وبعد التعرف إليه والتحقّق من أنه هذا هو دخيل البلالي الذي يبحث عنه بن رشيد وقد نذر عليه وضحاء من الإبل، نكثوا عهدهم معه وأخذوه هو وخويه وسلموه لعبد العزيز بن متعب بن رشيد الشمري، وهناك سأله بن رشيد وقال له: هذا من هو الشاب الذي معك؟ قال دخيل البلالي: هذا ابني. قال بن رشيد: وتعلمه على الفراسة معك؟ قال البلالي: نعم. قال بن رشيد: أن تعرف أنني قد نذرت على قتلك. قال البلالي: نعم. قال بن رشيد: والآن ما هو رأيك؟ قال البلالي: أوف نذرك يا طويل العمر. فأمر رجاله وقال اقتلوا الولد بالردني، واقتلوا الأب بالسيف. قال دخميل البلالي: يا طويل العمر، اقتل واحد منا والثاني خله لهلنا، إن ورائي أم وأب شيخان كبيران طاعنين بالسن، عمي لا يبصرون، وليس لهم عائل غيرنا، وأنت إذا قتلت اثنين فقد قتلت أربعة، وأنت تعرف حق الوالدين، وتخاف الله، والعدل في حلمك، والخير في عهدك.
قال بن رشيد عفينا عن واحد منكما، وهل ترغب أن نقتلك أو نقتل ولدك؟ قال البلالي: اقتلني أنا لحيث أنني رجل قد أكلت عمري وهذا شاب ينتظر مستقبله، فاتركه لأهلنا. فقال بن رشيد: أحسنت. ثم أمر بقتله وإطلاق سراح الشاب، وبعد أن قتل، قال الشاب: هذا ليس أبي، وأنا مطيري وهو حربي. قالوا: وما حمله على ذلك؟ قال الشاب: الوفاء بحق الجار وحفظ الأمانة. قال: وماذا نعرف من هذا كله؟ قال الشاب المطيري: كنا جيران معه ثم توفي والدي ثم بقيت أنا وأمي وإخوتي في كفالته، ولما غزينا في هذه المرة وضعتني أمي أمانة في عنقه، فأوقعت في الأسر، فأوقعت معي وخيرتونا في الموت واختاره لنفسه من أجلي. ولما فهم بن رشيد الحقيقة كاملة ندم على تصرفه وحزن حزنًّا شديدًا وقال: لو علمت بهذا الشيء لكان سبقت الحربي على المعروف ولا يكون هو خير مني.
وقد قالت أم الشاب المطيري هذه الأبيات ترث بها دخيل البلالي:

البارحة عيني حريب لها النوم = تسوقها لوعات سمر الليالي
تقول في عيني شناكير وهزوم = وانحب ولاني في نحيبي لحالي
حكم القدر واللي حصل صار مقسوم = الله يبيحك يا دخيل البلالي
مرحوم يا ريف المساكين مرحوم = اللي فداء بروحه شريدة عيالي
الأجنبي عنده عزيزًا ومحشوم = وابدا عليه من الرفيق الموالي


 

جميع الحقوق محفوظة © 2017 الراوي – سالفة وقصيد.