( قصة راع أبو ضباح مع العتبان في يوم مجاعة )


( قصة راع أبو ضباح مع العتبان في يوم مجاعة )


قضايا وقضاة وشيم من البادية
نايف بن زابن الحربي


روا لي هذه القصة الشيخ عبيد بن مقبول السراني شيخ فخذ السرارنة، ورواها الشيخ غالب بن صيفي بن نماي من شيوخ الزواكيه من بنو جابر، ورواها هلال بن هلال الصلعي رئيس شؤون البادية في المدينة المنورة، ورواها الشيخ متعب بن ناهي بن عمهوج من شيوخ قبيلة مزينة وغيرهم على النص الآتي:
قالوا إن ديار عتيبة قد أصابها الجفاف في سنة من السنين الممحلة، فقد تأخرت عنها الأمطار ونشفت الأرض وقل الكلأ من المرعاء، وأهزلت الماشية وهلك معظمها وانتشرت المجاعة بين العربان في ديار عيبة فلم يجدوا وسيلة لجلب المصاريف وتوفير المعيشة في تلك السنة حتى تنزل رحمة الله على الأرض ومن عليها، وتعود بهم الحال مثل ما كانت عليه فينزل المطر، وتربع الأرض ويتكاثر المرعى وتسمن الماشية وتصبح صالحة لبيعها في الأسواق حيث تأتي بالثمن الوفير والخير الكثير وتغطي على مصاريفهم المعيشية واحتياجاتهم الكمالية الأخرى.
وقد فكروا في أكثر من طريق وطريقة لحل هذه المشكلة في اتجاهات متعددة فلم تبخل عليهم الآراء والأفكار في حلولها المناسبة، وكان محور التفكير حول طلب القرضة أو الكفالة أو حتى رهن بعض الأسلحة لو قبلها التاجر مقابل حاجة صاحبها من الطعام فامنهم من وجه قافلته إلى مكة وجدة، ومنهم من اتجه بها إلى الأحساء ومنهم من كان يعرف له أصدقاء من التجار في البصرة والزبير في العراق، ثم شد الرحال لهم فتيسرت لهم الأمور وسد الله لهم حاجاتهم، أما فخذ الزراريق من عتيبة ومعهم بعض فخذ الحفاة، وكان رئيسهم أحد شيوخ الزراريق ويعرف بابن زراق العتيبي.
فهؤلاء قد اختاروا أن يتجهوا بقافلتهم إلى قبيلة حرب في وادي الفرع ومدينة رابع الذي كانت تسيطر عليها هذه القبيلة في ذلك الوقت فكان معهم راعٍ يرعى الإبل من حرب فسألوه عمن يعرف من قومه في أحد هاتين المدينتين من الرجال الذين يعرفون الحقوق ويرقعون الفتوق ويقضون حاجتنا بأموالهم وإلا بجاههم وحيلتهم قال راعيهم الحربي لو حاجتكم حمل جمل أو جملين من الطعام لكان يقضيها لكم أول رجل تقابلونه من قبيلة حرب؛ ولكن أنتم معكم 100 جمل وتبحثون عمن يحملها لكم طعامًا وقهوة كساء وهذه المهمة مهمة شيخ ويقدرون عليها مشائخ حرب؛ ولكن أهل المدن الزم بها من غيرهم لاختلاطهم الأكثر بالتجار فهم إما سدوا حاجتكم من مالهم أو قضوها لكم في وجيههم واحد الشيخ مريع بن حسن العبيدي أمير قرية أبو ضباع في وادي الفرع والآخر الشيخ بن مبريك راعي رابغ قالوا له: إذا أنت خوينا اللي يمشينا ويحمينا بالديرة الحربية ويدلنا على معازيبنا ومعازيبهم هم الشيخين العبيدي وبن مبيريك، فاجهزوا مئة جمل لحمل الطعام والكساء.
وأخذوا الحربي معهم وحصلوا أيضًا على رجل من مطير وطلبوا إخوته وأعطوه حق الأخاوة ورافقهم في داخل حدود مطير ولما أخرجهم من المطيرية وأدخلهم في حدود الحربية رجع عنهم وتركهم في حماية خويهم الحربي حتى وصلوا إلى آخر محطة لهم عند الشيخ مريع العبيدي في وادي الفرع وكانوا ينوون مواصلة سيرهم إلى بن مبيريك في رابغ إذا ما وجدوا طلباتهم كلها عند العبيدي وإنما انقضت الحاجة من قبل مريع العبيدي قبل أن يصلوا إلى بن مبيريك.
ولما وصل شيخ الزراريق هو ومن كان معه من الزراريق والحفاة إلى الشيخ مريع بن حسين العبيدي في وادي الفرع شرحوا له قصتهم مع زمانهم وما أصابهم فيه ثم وضحوا له طلبهم منه فاسمع واستدرك حديثهم كله ونظر إلى وجوههم نظرةً فاحصة ثم تأمل قليلًا في العلاقات القبلية بين حرب وعتيبة فأوجدهم أعداء وما وقع من أموال القبيلة هذه في أيد القبيلة الأخرى اعتبرته القبيلة الغانمة إنه من الغنائم فيما لو أرادوا مصادرة هذه الأموال.
الشيء الثاني لو تأخرت ثم أراد أن يذهب ليجمع ديونه منهم فكيف يستطيع بسهولة ودون شق الأنفس وصولهم وهي تقع دونهم قبيلة مطير ثم قبيلة سليم ثم هم المصيبة الأخرى من يحميه منهم حتى يصل على أول رجل من فيخذ الزراريق.
والشيء الثالث وهو آخر حل يفكر فيه حين أسر في نفسه أن يعطيهم من نصف حمل بعير بدون مقابل ثم يرسلهم إلى بن مبيريك يكمل لهم الباقي ولكن قبل أن يبلغهم بوجهة نظره في هذا الموضوع قال أبيات:

الخاتم المنقوش أنا ويش أبيه = أما انكسر وإلا انه أضحى على ماش
واللي يصوت بالخلأ من يجيبه = واللي معلق بالسماء كيف ابى يناش

فاعرفوا العتبان قصده وأنه لا يهمه أعطاهم طلبهم؛ ولكن من يضمن الوفاء، قال الشيخ بن زراق العتيبي:

اللي يسوي الطيبه من نصيبه = يلقي بها قدمه معاميل وفراش
والبعد ما ينحى الفتى عن صحيبه = والقرب ما ينفعك بالصاحب اللاش

ولما سمع كلام شيخهم عرف إنهم رجالًا عقلاء وعملاء أوفياء فحلت الثقة في ساحة صدره العريض وأدرك أنه سوف يكون رد الجميل جميلًا مثله، وقام إلى خزانته واستخرج لهم مبلغ من المال وقال: خذوا هذا ووزعوه بينكم وكل واحد منكم كفيل نفسه، ولا أحد يكفل على أحد، وكلًّا منكم تكفله شيمته يا عتيبة، فأخذوا كل ما يحتاجونه من وادي الفرع وحملوا جمالهم المئة جمل من الطعام والقهوة والكساء ورجعوا إلى ديارهم في حماية خويهم الحربي الأول حتى تجاوز بهم حدود الحربية وسلمهم لخويهم المطيري ودخل بهم حدود مطير وأخرجهم منها.
وكانوا أثناء مرورهم من خلال أراضي هذه القبائل يحصل لهم بعض الاعتداءات من هذه القبائل ولكن يمنعهم خوي العتبان من شر هذه القبيلة المعتدية لكونه من جماعة المعتدين والمعتدي عليهم قد دخلوا في وجهة عن شر قومه، فهذه كانت قوانين عربية قبائلية تحترمها كل قبائل البدو لأنهم اختاروها ووضعوها لحماية مصالحهم من بعضهم، فالقبيلة التي تحترم هذا لقانون إذا أرادت أن تقضي بعض مصالحها من وراء أحد القبائل المعادية لها فما عليها إلا أن تأخذ لها خوي أي مرافق من أحد رجال هذه القبيلة التي يرغبون في السفر عبر أراضيها ويكونون في حمايته حتى يخرجوا من حدود قبيلته.
أما القبيلة التي تكابر بقوتها ويصل بها غرورها إلى أن ترفض هذا القانون وتدخل حدود جارتها القبيلة الأخرى بلا خوي فهي لا محالة معرضة للغزو في أي لحظة ومن ثم القتل والسلب والنهب والتأديب.
حدثونا رواة من عتيبة غير رواة حرب الذي رووا لنا هذه القصة أن العتبان لما نزل على ديارهم الغيث وربعت الأرض وسمنت الإبل والأغنام اجتمعوا المقترضين وقد روا قيمة الطعام والقهوة والكساء وعدد قافلتها مئة جمل الذي حملت هذه الأغذية من وادي الفرع ومن مال العبيدي الخاص وقد أظهرها من الإبل والأغنام وساقوها إلى مكة وقبضوا أقيامها وأرسلوها إلى مريع العبيدي وما جزاء الإحسان إلا الإحسان.
وفي مقابلتنا لسعد بن خرصان الحافي من حفات عتيبة الروقة قال: حدثونا شيباننا الأولين رحمة الله عليهم عن هذه القصة وقالوا إنهم عندما ساقوا تلك الإبل وتلك الأغنام إلى أسواق مكة كأنما عتيبة كلها قد رحلت من أرض إلى أرض أخرى من كثرة ما ساقوا من الماشية في حق الأمانة وردها إلى صاحبها راع وادي الفرق.
حصلت هذه القصة حوالي سنة 1248 هـ، وهي الفترة التي عاش بها الشيخ مريع الأول بن حسن العبيدي العمري الحربي، وقال سعد بن خرصان الروقي هذه الأبيات يمتدح بها قبيلة حرب.

البارح أمسى ضميري فيه ولوالي = والعين ما ذاق لذ النوم حاجبها
ذكرت دار الوفاء والمذهب الغالي = دارن عسى السيل يمشي في جوانبها
يا راكب اللي الى روح مع اللالي = أسبق من الريح يوم الله يهببها
يقوم من عندنا والفي ما زالي = وعصير طب المدينة واستراح إبها
غرهد مع السوق وارفع صوتك العالي = وسلم على حرب حاضرها وغايبها
تلقا رجال الوفاء والمذهب الغالي = وتلقى الوفاء عند جاهلها وشايبها
ستة عشر عام وأنا بينهم سالي = الربعة اللي عزيزاتٍ مذاهبها
إلى جيبت بادي فكل الحي حيالي = وإن جيبت في قالة راسي يطول إبها
وكم دار قوم ولوها حرب الابطالي = وأصبح بها البوم والثعلب يجاوبها


 

جميع الحقوق محفوظة © 2017 الراوي – سالفة وقصيد.